الشيخ محمد هادي معرفة
312
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
نصّا موحى به . وكان عمله هذا مرفوضا لدى المحقّقين . والمنقول عن ابيّ ومثله عن ابن مسعود أيضا هي زيادات تفسيرية لغرض الإيضاح من غير أن يكون زيادة في النصّ أو تغيير في لفظ القرآن . على أنّه لاحجّية في مزاعم أناس - مهما كانوا - مالم تقع موضع قبول عامّة المسلمين فضلًا عن رفضهم إيّاها ، كما وقع بالفعل . قال ابن قتيبة : وأمّا نقصان مصحف عبداللّه بحذفه « امّ الكتاب » و « المعوّذتين » ، وزيادة « ابيّ » بسورتي القنوت ، فإنّا لا نقول : إنّ عبداللّه وابَيّا أصابا ، وأخطأ المهاجرون والأنصار . ولكن عبداللّه ذهب فيما يرى أهل النظر إلى أنّ المعوّذتين كانتا كالعُوذَة والرُقية وغيرهما ، وكان رسول اللّه صلى الله عليه وآله يعوّذ بهما الحسن والحسين ، « 1 » كما كان يعوذ ب - « أعوذُ بكلمات اللّه التامّة » . « 2 » فظنّ أنّهما ليستا من القرآن . وأقام على ظنّه وعلى مخالفة الصحابة جميعا ، كما في مواضع اخر خالف فيها جميع الأصحاب . وإلى نحو هذا ذهب ابيّ في دعاء القنوت ، لأنّه رأى رسول اللّه صلى الله عليه وآله يدعو به في الصلاة دعاءً دائما ، فظنّ أنّه من القرآن ، وأقام على ظنّه وعلى مخالفة الصحابة . قال : وأمّا « فاتحة الكتاب » فإنّي أشكّ فيما روي عن عبداللّه من تركه إثباتها في مصحفه ، فإن كان هذا محفوظا فليس يجوز لمسلم أن يُظنّ به الجهل بأنّها من القرآن . وكيف يُظنّ به ذلك وهو من أشدّ الصحابة عنايةً بالقرآن ؟ ! ولكنّه ذهب فيما يظنّ أهل النظر ، إلى أنّ القرآن إنّما كتب وجمع بين اللوحين مخافة الشكّ والنسيان والزيادة والنقصان . ورأى ذلك لا يجوز على سورة الحمد لقصرها ولأنّها تُثْنى في كلّ صلاة . ولا يجوز لأحد من المسلمين ترك تعلّمها وحفظها . « 3 »
--> ( 1 ) - أخرجه أحمد في مسنده ، ج 5 ، ص 130 ، من حديث زرّ بن حبيش . ( 2 ) - أخرجه البخاري ، ج 4 ، ص 179 ، في كتاب الأنبياء من حديث ابن عباس . وراجع : صحيح مسلم ، ج 4 ، ص 2080 - 2081 في كتاب الذكر والدعاء والاستغفار ، باب التعوّذ من سوء القضاء ودرك الشقاء . وسنن الدارمي ، ج 2 ، ص 289 في الاستئذان . وسنن الترمذي ، ج 4 ، ص 396 ، في الطبّ . وسنن ابنماجة ، ج 2 ، ص 359 ، باب 1289 ، رقم 3586 . ومسند أحمد ، ج 1 ، ص 236 . ( 3 ) - تأويل مشكل القرآن ، ص 42 - 49 .