الشيخ محمد هادي معرفة

307

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

له . « 1 » قال الطبرسي : وقد روي عن الصادق عليه السلام : أنّها نزلت في رجلٍ من بني اميّة كان عند النبي ، فجاء ابن امّ مكتوم ، فلمّا رآه تقذّر منه وجمع نفسه وَعَبَس وأعرض بوجهه عنه ، فحكى اللّه سبحانه ذلك وأنكره عليه . قال : ولوصحّ الخبر الأوّل لم يكن العبوس ذنبا ، إذ العبوس والانبساط مع الأعمى سواء ، إذ لا يرى ذلك فلا يشقّ عليه . فيكون قد عاتب اللّه سبحانه نبيّه بذلك ، ليأخذه بأوفر محاسن الأخلاق ، وينبّهه على عظيم حال المؤمن المسترشد ، ويعرّفه أنّ تأليف المؤمن ليقيم على إيمانه أولى من تأليف المشرك طمعا في إيمانه . قال : وقال الجبّائي : في هذا دلالة على أنّ الفعل إنّما يكون معصية فيما بعد لا في الماضي ، فلا يدلّ على أنّه كان معصيةً قبل النهي عنه . ولم ينهه صلى الله عليه وآله إلّا في هذا الوقت . وقيل : إنّ ما فعله الأعمى كان نوعا من سوء الأدب ، فحَسُن تأديبه بالإعراض عنه . إلّا أنّه كان يجوز أن يتوهّم أنّه أعرض عنه لفقره ، وأقبل عليهم لرياستهم تعظيما لهم ، فعاتبه اللّه على ذلك . قال : وروي عن الصادق عليه السلام أنّه قال : كان رسول صلى الله عليه وآله إذا رأى عبداللّه بن امّ مكتوم قال : مرحبا مرحبا ، لاواللّه لايعاتبني اللّه فيك أبدا ، وكان يصنع به من اللّطف حتى كان ( ابن امّ مكتوم ) يكفّ عن النبيّ ممّا يفعل به ، « 2 » أي كان يمسك عن الحضور لديه استحياءً منه . قلت : الأمر كما ذكره هؤلاء الأعلام ، من أنّها فعلة لاتتناسب ومقام الأنبياء ، فكيف بنبيّ الإسلام المنعوت بالخُلُق العظيم ؟ ! فضلًا عن أنّ سياق السورة يأبى إرادة النبيّ في توجيه الملامة إليه . ذلك : أنّ التعابير الواردة في السورة ثلاثة « عَبَسَ » ، « تَوَلَّى » ، « تَلَهَّى » . الأوّلان بصيغة الغياب والأخيرة خطاب . على أنّ الأوّلين ( عَبَس وَتولّى ) فعلان قصديّان ( يصدران عن قصد وإرادة وعن توجّهٍ من النفس ) . والأخير ( تلهّى ) فعل غير قصديّ ( صادر لا عن إرادة ولا عن توجّهٍ من النفس ) . فإنّ الإنسان إذا توجّه بكلّيّته إلى جانب

--> ( 1 ) - تفسير التبيان ، ج 10 ، ص 268 - 269 بتصرّف يسير . ( 2 ) - مجمع البيان ، ج 10 ، ص 437 .