الشيخ محمد هادي معرفة
302
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
إن منكم إلّا واردها قالتعالى : « وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا » . « 1 » والخطاب عامّ يشمل المؤمن والكافر . وبدليل ما بعد الآية : « ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا » . « 2 » حيث قوله : « وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها » . أي الجميع يردونها فيُخْرَج المؤمنُ ويُتْرَك الظالمُ بحاله . الأمر الذي يتنافى وقوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ . لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها » . « 3 » فكيف الوئام ؟ ! وقد ذكر المفسّرون هنا وجوها ، أوجهها - ما عن ابنمسعود والحسن وقتادة واختاره أبو مسلم - أنّه بمعنى الإشراف عليها ليشهدوا ذلك العرض الرهيب . فالمؤمنون يجوزونها ويدنون منها ويمرّون بها وهي تتأجّج وتتميّز وتتلمّظ ، ويرون العُتاةَ يُنْزَعُون فيُقْذَفون فيها . قال تعالى : « فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ » لن يكونوا لوحدهم بل « وَالشَّياطِينَ » الذين هم قادتهم ، وبينهما صلة التابع والمتبوع والقائد والمقود . « ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا » جاثين على رُكَبِهم في ذلّ وفزع . « ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا » . فلا يؤخذ أحدٌ جزافا من تلك الجموع المتكاثفة . « ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا » ليكونوا طليعة المقذوفين فيها . وبعد ، فيأتي دور المؤمنين الذين سبقت لهم من اللّه الحسنى ، فيأتي زرافات منهم ، يمرّون بهذا المشهد الرهيب ، فيزحزحون عنها وفي منجاةٍ منها يجوزونها « ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا » أي نجعلهم في منجاةٍ منها « وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا » « 4 » أي ندعهم جاثمين على رُكَبهم على شفا جرفٍ هارٍ لينهار بهم في نار جهنّم . فقد كان المراد بالورود هنا هو الإشراف عليها ، كما في قوله تعالى : « وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ
--> ( 1 ) - مريم 71 : 19 . ( 2 ) - مريم 72 : 19 . ( 3 ) - الأنبياء 101 : 21 و 102 . ( 4 ) - مريم 68 : 19 - 72 .