الشيخ محمد هادي معرفة

293

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

النبيّ صلى الله عليه وآله . والأكثر ولعلّه الشامل من الوحي القرآني هذا النوع الأخير . والتكليم والنداء في الآيتين هما من النوع الثاني أي التكليم من وراء حجاب ، إذن فلا منافاة . نظرة أو انتظار ؟ سؤال : قال تعالى : « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ . إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » . « 1 » وقال : « وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى . عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى » . « 2 » قالوا : كيف يلتئم ذلك مع قوله : « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ » . « 3 » وقوله : « وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً » . « 4 » في حين أنّ مَن رأى الشيء وحدّق النظر إليه فقد أدركه ببصره وأحاط به علمه ؟ ! جواب : هناك فرق بين نظر رؤية ونظر انتظار وتوقّع . فيومئذٍ تكون الأنظار إليه سبحانه لكنّها نظرة توقّع وانتظار عميم رحمته ، ولا نظر إلّا إليه ( عظمت آلاؤه ) . فالنظر إنّما هو إلى ربّهم كيف يُثيبهم وإلى ما وعدهم من المثوبة في جنّة عدن . قال الزمخشري : و « الناضرة » من نضرة النعيم . « إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » تنظر إلى ربّها خاصّة ولا تنظر إلى غيره . والمراد : نظر توقّع ورجاء ، كقولك : أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي ، تريد معنى التوقّع والرجاء ، ومنه قول القائل : وإذا نظرتُ إليك من مَلِكٍ * والبحرُ دونك زدتني نِعَما قال : وسمعت سروية مستجدية بمكة وقت الظهيرة حين يغلق الناس أبوابهم ويأوون إلى مقائلهم تقول : عُيينتي نُوَيظرة إلى اللّه وإليكم ، أي رجائي إلى اللّه وإليكم . فمعنى الآية : أنّهم لايتوقّعون النعمة والكرامة إلّا من ربّهم ، كما كانوا في الدّنيا

--> ( 1 ) - القيامة 22 : 75 و 23 . ( 2 ) - النّجم 13 : 53 و 14 . ( 3 ) - الأنعام 103 : 6 . ( 4 ) - طه 110 : 20 .