الشيخ محمد هادي معرفة
284
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ . فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ » . « 1 » لا اقسم بهذا البلد سؤال : قال تعالى : « لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ . وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ » . « 2 » والبلد هو البلد الأمين مكّة المكرّمة . وقد أقسم به في سورة التين : « وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ . وَطُورِ سِينِينَ . وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ » . « 3 » فكيف التوفيق ؟ جواب : قالوا بزيادة « لا » هنا ليكون معنى الكلام إثباتا لا نفيا ، وأنّ العرب قد تدخل « لا » في أثناء كلامها وتُلغي معناها ، وأنشدوا في ذلك أبياتا . ونحن قد فنّدنا ذلك وذكرنا أن لاشاهد عليه في كلام العرب ، فراجع . « 4 » والصحيح أن يقال : إنّ مورد الآيتين مختلف ، فمرّة لا يقسم ومرّة يقسم باختلاف الموارد . . . إذ ليس المعنى في سورة البلد أنّه تعالى لا يقسم أبدا بهذا البلد ، بل لا يقسم في موردٍ خاصّ - لوضوحه - وهو أنّ الإنسان خلق في كبد . . . أمّا المعنى في سورة البلد فهو على القسم حيث أهمّية المورد ( المقسم عليه ) وهو أنّ الإنسان خلق ليكون رفيعا لكنّه بيديه حطّ من شأن نفسه فارتدّ أسفل سافلين بسوء تدبيره وسوء عمله . وهنا جواب آخر لعلّه أدقّ وهو : أن ليس المراد ( في آية البلد ) نفي الإقسام على الإطلاق ، ليكون متنافيا مع الآية الأخرى ( في سورة التين ) . بل هو نوع من القسم على الشكل السلبي ، حيث عدم الحاجة إليه بعد وضوح الأمر وظهوره ، وهو آكد في إثبات المطلوب بشكلٍ أدبيّ رائع . والمعنى : إنّي لا أحلف ، إذ لا حاجة إليه بعد وضوح الأمر . وهذا يعني أنّ الأمر متأكّد
--> ( 1 ) - المدّثّر 39 : 74 - 48 . ( 2 ) - البلد 1 : 90 و 2 . ( 3 ) - التين 1 : 95 - 3 . ( 4 ) - راجع : التمهيد ، ج 5 ، ص 453 . وللعلّامة البلاغي تحقيق مستوف في ذلك : تفسير آلاءالرحمان ، ج 1 ، ص 38 - 41 .