الشيخ محمد هادي معرفة
28
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
القرآن في زُبُر الأوّلين وأمّا ما تذرّع به صاحبنا الأسقف درّة فملامح الوهن عليه بادية بوضوح : قوله تعالى : « إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى . صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى » . « 1 » هذا إشارة إلى نصائح تقدّمت الآية « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى . بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا . وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى » . وذلك تأكيدٌ على أنّ ما جاء به محمّد صلى الله عليه وآله لم يكن بدعا ممّا جاء به سائر الرسل « قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ » . « 2 » فليس الذي جاء به نبيّ الإسلام جديدا لاسابقة له في رسالات اللّه ، الأمر الذي يستدعيه طبيعة وحي السماء العامّ وفي كلّ الأدوار من آدم فإلى الخاتم . فإنّ شريعة اللّه واحدة لا يختلف بعضها عن بعض . فالإشارة راجعة إلى محتويات الكتاب توالى نزولها حسب توالي بعثة الأنبياء . فالنصائح والإرشادات تكرّرت مع تكرّر الأجيال . هذا ما تعنيه الآية لا ما زعمه صاحبنا الأسقف ! وهكذا قوله تعالى : « أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى » . « 3 » يعود الضمير إلى من وقف في وجه الدعوة مستهزئا بأن سوف يتحمّل آثام الآخرين إن لم يؤمنوا بهذا الحديث . فيردّ عليهم القرآن : ألم يبلغهم أنّ كلّ إنسان سوف يكافأ حسب عمله ولاتزرُ وازرةٌ وِزر أخرى ؟ فإن لم يعيروا القرآن اهتماما فليعيروا اهتمامهم لما جاء في الصُحُف الأُولى ، وهلّا بلغهم ذلك وقد شاع وذاع خبره منذ حين ؟ ! وهكذا سائر الآيات تروم هذا المعنى لاغير ! « أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ » « 4 » وآية أخرى على صدق الدعوة المحمّدية : أنّ الراسخين في العلم من أهل الكتاب يشهدون بصدقها ممّا عرفوا من الحقّ :
--> ( 1 ) - الأعلى 18 : 87 و 19 . ( 2 ) - الأحقاف 9 : 46 . ( 3 ) - النجم 36 : 53 و 37 . ( 4 ) - الشعراء 197 : 26 .