الشيخ محمد هادي معرفة

271

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

المتناثر آية طول سنين . وربّما يختلف النظر لو كان صادرا من إنسان ، وهو آخذ في التكامل طول هذه المدّة ، فطبيعي أن يقع فيه اختلاف ، لكن عدم الاختلاف دليلٌ قاطع على أنّه من عليمٍ خبير ، هو محيط بعلمه ولا يعزب عن علمه شيء ، كما لا يتجدّد له رأي أو يبدو له نظر غير رأيه القديم . وللعلّامة السيّد هبه‌الدين الشهرستاني هنا كلامٌ غريب ، قال : إنّ جماعة من المفسّرين قد التبس عليهم أمر المانع بالسبب ، فعدّوا سلامة القرآن من التنافي والتنافر ، من وجوه إعجازه ، في حين أنّ وجود التنافي والتنافر من موانع الإعجاز ، وليس انعدامهما والسلامة منهما من أسباب الإعجاز . « 1 » ولعلّه رحمه اللّه عدّ السلامة من الاختلاف أمرا عدميا ، فجعل التنافي والتنافر ، وهما أمران وجوديّان ، من المانع . في حين أنّ السلامة هنا بمعنى الائتلاف وحسن الوفاق والمؤكّد للانسجام بين آياته وتعابيره في كافّة السوَر مكيّتها ومدنيّتها بوئامٍ وائتلام . الأسباب الموهمة للاختلاف ذكر الإمام بدرالدين الزركشي للاختلاف أسبابا : الأوّل : وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وتطويرات شتّى ، كقوله تعالى في خلق آدم مرّةً : « خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ » . « 2 » وأخرى : « مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ » . « 3 » وثالثة : « مِنْ طِينٍ لازِبٍ » . « 4 » ورابعة : « مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ » ! « 5 » وهذه الألفاظ مختلفة ومعانيها في أحوال مختلفة ، لأنّ الصلصال غير الحمأ ، والحمأ غير التراب ، إلّا أن‌ّمرجعها كلّها إلىجوهر وهو التراب ، ومن التراب تدرّجت هذه‌الأحوال . ومنه قوله تعالى : « فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ » . « 6 » وفي موضع : « تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ » . « 7 » والجانّ

--> ( 1 ) - المعجزة الخالدة للشهرستاني ، ص 42 . ( 2 ) - آل عمران 59 : 3 . ( 3 ) - الحِجر 26 : 15 . ( 4 ) - الصافّات 11 : 37 . ( 5 ) - الرحمان 14 : 55 . ( 6 ) - الشعراء 32 : 26 . ( 7 ) - القصص 31 : 28 .