الشيخ محمد هادي معرفة

26

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

اليهوديّة لاغيرها حتى تهتدوا ! وقالت النصارى كونوا حيادا على النصرانية لاغيرها حتى تهتدوا ! والقرآن يردّ عليهم جميعا ويدعو إلى الالتفاف حول الحنيفية الإبراهيمية : « قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » . « 1 » « صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ » . « 2 » نعم ، صبغة اللّه شاملة وكافلة للإسعاد بالبشرية جمعاء ، الأمر الذي يعتنقه المسلمون أجمع ، والحمد للّه . وحدة المنشأ هو السبب للتوافق على المنهج وبعد ، فإنّ ائتلاف الأديان السماوية واتّحاد كلمتها لابدّ أن يكون عن سببٍ معقول ، وهذا يحتمل أحد وجوهٍ ثلاثة : 1 - إمّا لوحدة المنشأ ، حيث الجميع منبعث من أصل واحد ، فكان التشابه في الفروع المتصاعدة طبيعيّا . 2 - أو لأنّ البعض متّخذٌ من البعض فكان التشاكل نتيجة ذاك التبادل يدا بيد . 3 - أو جاء التماثل عن مصادفةٍ اتفاقيّة وليس عن علّةٍ حكيمة . ولاشكّ أنّ الأخير مرفوض بعد مضادّة الصدفة مع الحكمة الساطية في عالم التدبير . بقي الوجهان الأوّلان ، فلنتساءل القوم : مابالهم تغافلوا عن الوجه الأوّل الرصين وتواكبوا جميعا على الوجه الهجين ؟ ! إنّ هذا لشيءٌ مُريب ! هذا ، والشواهد متظافرة تدعم الشقّة الأولى لتهدم الأخرى من أساس : أوّلًا : صراحة القرآن نفسه بأنّه موحى إلى نبيّ الإسلام وحيا مباشريّا نزل عليه ليكون للعالمين نذيرا ، فكيف الاستشهاد بالقرآن لإثبات خلافه ! ؟ إن هذا إلّا تناقض في الفهم واجتهاد في مقابلة النصّ الصريح !

--> ( 1 ) - البقرة 135 : 2 . ( 2 ) - البقرة 138 : 2 .