الشيخ محمد هادي معرفة

258

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

يكون ما أمَرَ بِهِ المُستَحسِنَ للشيء عند رؤيته له من إعاذته باللّه والصلاة على رسول اللّه « 1 » قائما في المصلحة مقام تغيير حالة الشيء المُستَحسَنِ ، فلا تُغَيَّر عند ذلك ، لأنّ الرائي قد أظهر الرجوع إلى اللّه سبحانه والإخبات له ، وأعاذ ذلك المرئي به ، فكأنّه غيرُ راكنٍ إلى الدنيا ولا مغترٌّ بها ولا واثقٌ بما يرى عليه أحوال أهلها . قال : ولعمرو بن‌بحر الجاحظ في الإصابة بالعين مذهبٌ انفرد به ، وذلك أنّه يقول : إنّه لا يُنكر أن ينفصل من العين الصائبة إلى الشيء المستُحسَن أجزاءٌ لطيفة فتؤثّر فيه وتجني عليه . ويكون هذا المعنى خاصّا ببعض الأعين كالخواصّ في الأشياء . قال : وعلى هذا القول اعتراضات طويلة وفيه مطاعن كثيرة . . . « 2 » وهذا الكلام نقلناه بطوله لما فيه من فوائد جمّة وتنبيهٌ على أنّ من حكمته تعالى القيام بمصالح العباد ، فربما يحطّ من هيمنة المعيون كي لا يطغو العاين فيخرج عن حدّه ، ثمّ إنّه تعالى يعوّض المعيون بما يسدّ خلّة الضرر الوارد به . وقد يكون ذلك في مصلحة المعيون لتكون كفّارةً لما فرط منه من الغلوّ أو التفريط بشأن العاين . لكن هذا لا ينافي ما علّل به ابن‌سينا أو الجاحظ في بيان السبب الطبيعي الواقع تحت إرادة اللّه الحكيمة . وهكذا ذهب المتأخّرون في بيان التعليل الطبيعي لإصابة العين وفق ما أودع اللّه من خصائص في طبيعة الأشياء . قال سيّد قطب : والحسد انفعالٌ نفسي إزاء نعمة اللّه على بعض عباده مع تمنّي زوالها . وسواء أتبع الحاسد هذا الانفعال بسعيٍ منه لإزالة النعمة تحت تأثير الحقد والغيظ ، أو وقف عند حدّ الانفعال النفسي ، فإنّ شرّا يمكن أن يعقّب هذا الانفعال . قال : ونحن مضطرّون أن نطامن من حدّة النفي لما لا نعرف من أسرار هذا الوجود وأسرار النفس البشرية وأسرار هذا الجهاز الإنساني . فهنالك وقائع كثيرة تصدر عن هذه

--> ( 1 ) - قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله : « من أعجبه من أخيه شيءٌ فليذكر اللّه في ذلك ، فإنّه إذا ذكر اللّه لم يضرَّه » . والأحاديث بهذا المعنى كثيرة . راجع : بحار الأنوار ، ج 60 ، ص 25 . ( 2 ) - المجازات النبوية للسيّد الشريف الرضي ، ص 367 - 369 ، رقم 285 .