الشيخ محمد هادي معرفة

256

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

تحدِّق نحو لقمته ، وهو يزدرد ريقه لتحلّب فمه من الشهوة ، وكان ذلك الحكيم جيّد اللقم طيّب الطعام ، ويضيّق على غلمانه . وقالت الحكماء : إنّ نفوس السباع وأعينها في هذا الباب أردأ وأخبث لفرط شرهها وشرّها . قال الجاحظ : بين هذا المعنى وبين قولهم في إصابة العين الشيء العجيب المستحسن شركةً وقرابة . ذلك أنّهم قالوا : قد رأينا أُناسا يُنسب إليهم ذلك ، ورأيناهم وفيهم من إصابة العين مقدارٌ من العدد ، لا نستطيع أن نجعل ذلك النسق من باب الاتفاق . وليس إلى ردّ الخبر « العين حقّ » سبيل ، لتواتره وترادفه . ولأنّ العَيان قد حقّقه والتجربة قد ضُمَّت إليه . قالوا : ولولا فاصل ينفصل من عين الرائي المُعجِب إلى الشيء المعجَب به - حتّى يكون ذلك الداخل عليه هو الناقض لقُواه - لما جاز أن يلقى المصاب بالعين مكروها من قبل العاين ، من غير تماسّ ولا تصادم ولا رابط يربط أحدهما بالآخر . قال الأصمعي : رأيتُ رجلًا عيونا ( الشديد الإصابة بالعين ) كان يذكر عن نفسه أنّه إذا أعجبه الشيء وَجَدَ حرارةً تخرج من عينه . « 1 » وأضاف الجاحظ - ردّا على مَن زعم أنّ الاعتراف بصحّة إصابة العين ينافي التوحيد - : أنّ الاعتراف بالطبائع اعترافٌ بسنّة اللّه الجارية في الخلق والتدبير ، وليس أمرا خارجا عن طوع إرادته تعالى . قال : ومَن زعم أنّ التوحيد لا يصحّ إلّا بإبطال حقائق الطبائع فقد حملَ عجزَه على الكلام في التوحيد . وإنّما يأنس منك الملحد إذا لم يدعك التوفُّرُ على التوحيد إلى بخس حقوق الطبائع ، لأنّ في رفع أعمالها رفع أعيانها . وإذا كانت الأعيان هي الدالّة على اللّه فرفعت الدليل فقد أبطلت المدلول عليه . « 2 » وللسيّد الشريف الرضي قدس سره كلامٌ لطيفٌ عند شرحه لقول النبيّ صلى الله عليه وآله : « العين حقّ

--> ( 1 ) - الحيوان للجاحظ ، ج 2 ، ص 264 - 269 ، تحقيق يحيى الشامي ، مع بعض التعديل حسب نقل ابن أبيالحديد في شرح النهج ، ج 19 ، ص 376 - 377 . ( 2 ) - المصدر : ص 266 .