الشيخ محمد هادي معرفة

243

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

لنتصوّر أيّ سحرٍ كان . ولفظ « استرهب » ذاته لفظ مصوّر ، فهم استجاشوا إحساس الرهبة في الناس وقسروهم عليه قسرا . ثمّ حسبنا أن نعلم من النصّ القرآني - في سورة طه - أنّ موسى عليه السلام قد أوجس في نفسه خيفةً لنتصوّر حقيقة ما كان . ولكن مفاجأة أخرى تطالع فرعون وملأه ، وتطالع السحرة الكهنة ، وتطالع جماهير الناس في الساحة الكبرى التي شهدت ذلك السحر العظيم : « وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ . فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ » . « 1 » إنّه الباطل ينتفش ، ويسحر العيون ، ويسترهب القلوب ، ويخيّل إلى الكثير أنّه غالب ، وأنّه جارف ، وأنّه مُحيق ! وما هو إلّا أن يواجه الهادئَ الواثقَ ، حتّى ينفثئ كالفُقّاعة ، وينكمش كالقُنفذ ، وينطفئ كشعلة الهشيم ! وإذا الحقّ راجح الوزن ، ثابت القواعد ، عميق الجذور . والتعبير القرآني هنا يُلقي هذه الظلال ، وهو يُصوّر الحقّ واقعا ذا ثقل « فوقع الحقّ » . . . وثبت ، واستقرّ . . . وذهب ما عداه فلم يَعُد له وجود : « وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » . وغُلب الباطل والمبطلون وذُلّوا وصَغُروا وانكمشوا بعد الزهو الذي كان يبهر العيون : « فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ » . « 2 » قال : فالسحر لايغيّر من طبيعة الأشياء ، ولا ينشئ حقيقةً جديدةً لها . ولكنّه يخيّل للحواسّ والمشاعر بما يريده الساحر . وهذا هو [ واقع ] السحر كما صوّره القرآن الكريم في قصّة موسى عليه السلام فلم تنقلب حبالهم وعصيّهم حيّات فعلًا ، ولكن خيّل إلى الناس أنّها تسعى . وهذه هي طبيعة السحر كما ينبغي لنا أن نسلّم بها . وهو بهذه الطبيعة يؤثّر في الناس ، وينشئ لهم مشاعر وفق إيحائه . مشاعر تخيفهم وتؤذيهم وتوجّههم الوجهة التي يريدها الساحر . قال : وعند هذا الحدّ نقف في فهم طبيعة السحر والنَفْث في العُقَد . وهي شرٌّ يُستعاذُ منه باللّه ويُلجأ إلى حماه . « 3 »

--> ( 1 ) - الأعراف 117 : 7 - 119 . ( 2 ) - في ظلال القرآن ، المجلّد 3 ، ص 604 ، ج 9 ، ص 38 . ( 3 ) - المصدر : المجلّد 8 ، ص 709 ، ج 30 ، ص 291 .