الشيخ محمد هادي معرفة
235
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
جميعها دفعةً واحدةً . وأراه عجائب أخرى . فسأله عزّت باشا عن السرّ الذي يحدث به ذلك ، فقال : إنّه مستخدمٌ إبليسَ نفسه . فطلب منه أن يراه ، فقال له : لاتقوى على رؤيته . فقال : تقويان أنتما على رؤيته وأضعفُ أنا عن ذلك ؟ ! مع أنّي كم جُبت المخاوف وولجت المعاطب ! فقالا : ذلك شيءٌ وهذا شيءٌ آخر . فألحّ عليهما ، فانقادا له فجلسا في الظلمة وأخذ أحدهما يعزم مدّةً ، فانشقّ السقف وظهرت النجوم ثمّ تدلّت منه صورة لايَتَصوَّر الوهم أفظع منها ، فما أن وقع عليها بصره حتّى قام مذعورا وتلمّس الباب حتّى وجده وصعد إلى أهله فجمعهم حوله ، وما زال مضطربا من الذُعر حتّى أصبح وبقي بعدها أربعين يوما لا يمشي خطوةً حتّى يستصحب معه بعض أهله من شدّة ما لحقه من الخوف . « 1 » ولعلّ صاحبنا الأستاذ وجدي فريدٌ وسط زملائه المتنوّري الفكر في قبوله مايرفضه العقل الرشيد فضلًا عن العلم والحكمة القويمة . إنّنا لا ننكر أنّ هناك نفوسا قوية من أصحاب التمائم والزمازم يؤثّرون بقوّة إرادتهم في وهم ضعفاء النفوس فيخيّلون إليهم صوَرا وأشكالًا حسبما يشاؤون ، والغالب أنّ أمثال هؤلاء المدّعين للسحر وتقليب الحقائق هم أناس مفاليس يستدرّون أموال ذوي العقول السذّج لأجل تأمين معيشتهم الحقيرة ، وهو أحد طرق الاستجداء ، فلو كانوا أصحاب قُدَر خارقة لعالجوا لأنفسهم ما يسدّ حاجتهم عن الاستجداء لا العيش على فضلة الآخرين وعلى طريقة التدليس والتزوير ، الأمر الذي يكون من أردأ أنحاء المعيشة في الحياة ! إنّهم لا يملكون سدّ رَمَقهم فكيف بالتسخير للأرواح المدبّرات ! يقول ابنخلدون - الذي حفل بهذه المزعومة في حفاوةٍ وتفصيل - : إنّ التأثير الذي لهم إنّما هو فيما سوى الإنسان الحرّ من المتاع والحيوان والرقيق . ويعبّرون عن ذلك بقولهم : إنّما نفعل فيما تمشي فيه الدراهم ، أي ما يُملك ويُباع ويُشترى . . . قال : ومن هؤلاء من يسمّى بالبعّاجين ، يشيرون إلى بطن الغنم فتنبعج . لأنّ أكثر ما ينتحل من السحر بعج الأنعام يُرهبون بذلك أهلها ليعطوهم من فضلها وهم مستترون بذلك في الغابة خوفا على
--> ( 1 ) - دائرة معارف القرن العشرين ، ج 5 ، ص 55 - 67 .