الشيخ محمد هادي معرفة

224

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

أجوافها زئابق وتركوها بصورة العصيّ والحبال في ساحة بعيدة عن متناول الناس ومشاهدتهم القريبة . وكانت الساحة قد حفرت تحتها أسراب وأشعلوا فيها نارا فأثّرت حرارتها من تحت وحرارة الشمس من فوق ، فجعلت الزئابق تتمدّد وتتقلّص ، وتراءى للنّاس أنّها تسعى . ومن ثمّ قال تعالى : « سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ » . « 1 » وما هي إلّا شعوذة لا واقع لها سوى تخييل ظاهريّ مجرّد . قال الطبرسي : احتالوا في تحريك العصيّ والحبال بما جعلوا فيها من الزئبق حتّى تحرّكت بحرارة الشمس وغير ذلك من الحيل وأنواع التمويه والتلبيس ، فخُيّل إلى الناس أنّها تتحرّك على ما تتحرّك الحيّة . وإنّما سحروا أعيُنَ الناس ، لأنّهم أروهم شيئا لم يعرفوا حقيقته وخفي ذلك عليهم لبعده منهم ، فإنّهم لم يدعوا مجالًا للناس كي يدخلوا فيما بينهم [ خوف فضح أمرهم ] . قال : وفي هذا دلالة على أنّ السحر لا حقيقة له ، لأنّها لوصارت حيّات حقيقةً لم يقل اللّه سبحانه : « سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ » بل كان يقول : فلمّا ألقوا صارت حيّات . وقد قال سبحانه أيضا : « يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى » . « 2 » وامّا وصف سحرهم بالعظمة ، فلأجل استعظام الناس ذلك المشهد الرهيب . يقول الرازي في ذيل هذه الآية : واحتجّ به القائلون بأنّ السحر محض التمويه . قال القاضي : لو كان السحر حقّا لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم ، فثبت أنّ المراد أنّهم تخيّلوا أحوالًا عجيبة مع أنّ الأمر في الحقيقة ما كان على وفق ما تخيّلوه . قال الواحدي : بل المراد ، سحروا أعيُنَ الناس أي قلبوها عن صحّة إدراكها بسبب تلك التمويهات . وقيل : إنّهم أتوا بالحبال والعصيّ ولطّخوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا الزئبق في دواخل العصيّ ، فلمّا أثّر تسخين الشمس فيها تحرّكت والتوى بعضها على بعض وكانت كثيرة جدّا ، فالناس تخيّلوا أنّها تتحرّك باختيارها وقدرتها . « 3 »

--> ( 1 ) - الأعراف 116 : 7 . ( 2 ) - مجمع البيان ، ج 4 ، ص 461 . ( 3 ) - التفسير الكبير ، ج 14 ، ص 203 .