الشيخ محمد هادي معرفة
222
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وعليه جاء قوله تعالى : « وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ » . « 1 » أي مغبرّة ومنقبضة من هول المطّلع في مقابلة وجوه الصالحين المسفرة المنبسطة . يقول تعالى : « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ . ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ . وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ . تَرْهَقُها قَتَرَةٌ . أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ » . « 2 » فالوجوه المُسْفرة هي الوجوه المتفتّحة المشرقة المضيئة ، لأنّها ضاحكة مستبشرة ، حيث سرُورها وبهجتُها بما تعايِنُه من ثواب ربّها . ووجوه عليها غَبَرة ( غُبْرة الظلام ) على أثر كآبة الهمّ وهول المُطَّلَع . ترهقها قَتَرة ( انقباض وتقطيب ) وهذا تفسير لغُبْرة الوجه ، أي تعلوه كُدرة الغمّ وقطوب الانقباض . والقَتَرة هي بنفسها الغَبَرة ، أي كدورة الغبار التي تذهب بصفاء بشرة الوجه . وعن زيد بنأسلم : الغَبَرة ، الغبار ينحطّ من العلوّ ، والقَتَرة ، الغبار يرتفع من الأرض . « 3 » قال تعالى : « لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها . وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ » . « 4 » ففي هذه الآية جاء التعبير بغشيان وجوههم قطعٌ من الليل مظلما بدل التعبير بسواد الوجه . وفي آية أخرى : « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ . إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ . وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ . تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ » . « 5 » فالوجوه الناضرة هي المبتهجة المسرورة ، تنبسط وتشرق إشراقا لامعا . حيث لمست لذّة الحضور وأحسّت بسعادة البقاء ، تنتظر ثواب ربّها ورحمته . « فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً » . « 6 » « تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ » . « 7 »
--> ( 1 ) - الزمر 60 : 39 . ( 2 ) - عبس 38 : 80 - 42 . ( 3 ) - مجمع البيان ، ج 10 ، ص 441 . ( 4 ) - يونس 26 : 10 و 27 . ( 5 ) - القيامة 22 : 75 - 25 . ( 6 ) - الإنسان 11 : 76 . ( 7 ) - المطفّفين 24 : 83 .