الشيخ محمد هادي معرفة
22
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
عمّ خديجة ، الذي كان مطّلعا على كتب اليهود والمسيحيّين المقدّسة . وكثيرا مّا كان محمد يزور المدينة التي مات فيها والده عبداللّه . ولعلّه قد التقى هناك ببعض اليهود وكانوا كثيرين فيها . وتدلّ كثير من آيات القرآن على إعجابه بأخلاق المسيحيّين ، وبما في دين اليهود من نزعةٍ إلى التوحيد ، وبما عاد على المسيحية واليهودية من قوّة كبيرة لأنّ لكلتيهما كتابا مقدّسا تُعْتَقد أنّه موحى من عند اللّه . قال : ولعلّه قد بدا له أنّ مايسود جزيرة العرب من شركٍ ، ومن عبادةٍ للأوثان ، ومن فساد خُلقي ، ومن حروب بين القبائل وتفكّك سياسي ، نقول : لعلّه قد بدا له أنّ حالَ بلاد العرب إذا قورنت بما تأمر به المسيحية واليهودية حالٌ بدائية لاتشرف ساكنيها . ولهذا أحسّ بالحاجة إلى دينٍ جديد . ولعلّه أحسّ بالحاجة إلى دينٍ يؤلّف بين هذه الجماعات المتباغضة المتعادية ويخلق منها أمّةً قويةً سليمة ، دين يسمو بأخلاقهم عمّا ألفه البدو من شريعة العنف والانتقام ، ولكنّه قائم على أوامر منزلة لاينازع فيها إنسان . ولعلّ هذه الأفكار نفسها قد طافت بعقل غيره من الناس . فنحن نسمع عن قيام عدد من المتنبّئين في بلاد العرب في بداية القرن السابع ، وقد تأثّر كثير من العرب بعقيدة المسيح المنتظر التي يؤمن بها اليهود . وكان هؤلاء أيضا ينتظرون بفارغ الصبر مجيء رسولٍ من عند اللّه . وكانت في البلاد شيعة من العرب تُدعى بالحنفيّة أبت أن تقرّ بالألوهية لأصنام الكعبة ، وقامت تنادي بإلهٍ واحد يجب أن يكون البشر جميعا عبيدا له وأن يعبدوه راضين ( هم : ورقة بن نوفل ، وعبيداللّه بنجحش ، وعثمان بنالحويرث ، وزيد بن عمرو بن نفيل ) . كانوا قد أيقنوا أنّ ما هم عليه من الوثنية ليس بشيء ، فتفرّقوا في البلاد يلتمسون الحنيفيّة دين إبراهيم عليه السلام . . . وكان محمّد - كما كان كلّ داعٍ ناجح في دعوته - الناطقَ بلسان أهل زمانه والمعبّر عن حاجاتهم وآمالهم . . . « 1 »
--> ( 1 ) - ول ديورانت : قصّة الحضارة ج 13 ، ص 23 و 24 ، ترجمتها العربية .