الشيخ محمد هادي معرفة

205

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

نفسه . « 1 » فياترى هل من المعقول أنّ شريعة - كشريعة الإسلام الداعية إلى تحرّر الإنسانية - تقرّر من رقّيّة مثل زيد ، بهذا الشكل الفضيع المشجى الذي تمجّه النفوس الأبيّة فضلًا عن العقول الحكيمة ! ؟ كلّا ، لايقرّره أبدا ، ما عرفنا من الإسلام دين الفطرة ، دين الإنسانية المتحرّرة ، الذي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، ويحلّ لهم الطيّبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم . « 2 » قالوا : وهنا يخطر السؤال الحائر على الأفكار والضمائر : إذا كان الإسلام قد خطا هذه الخطوات كلّها نحو تحرير الرقيق ، وسبق بها العالم كلّها متطوّعا غير مضطرّ ولا مضغوط عليه ، فلماذا لم يَخْطُ الخطوة الحاسمة الباقية ؟ فَيُعلن في صراحة كاملة إلغاء الرّقّ من حيث المبدأ ، وبذلك يكون قد أسدى للبشريّة خدمةً لاتُقدَّر ، ويكون هو النظام الأكمل الذي لا شبهة فيه ، والجدير حقّا بأن يصدر عن اللّه الذي كرّم بني آدم ، وفضّلهم على كثير ممّن خلق ؟ ! « 3 » قلت : ليس يخفى على ذوي اللّبّ أنّ الإسلام قد جفّف منابع الرّقّ كلّها - كما ذكرنا - فيما عدا منبعا واحدا لم يكن من المصلحة تجفيفه آنذاك ، وذلك هو رقّ الحرب ، لملابسات سوف نذكرها . وعليه فقد أعلن - لكن في غير صراحة - إلغاء نظام الرّقّ من حيث المبدأ ، وإن كان التشديد عليه بحاجة إلى توفّر شرائط لم تكن مؤاتية حينذاك ، كما أشرنا إليه وسنشير . وينبغي أن ندرك حقائق اجتماعية وسيكلوجيّة وسياسيّة أحاطت بموضوع الرّقّ ، وأخّرت هذا الاعلان ( الصريح ) المرتقب . وإن كان ينبغي أن ندرك أنّه

--> ( 1 ) - راجع : تمام القصّة في أُسد الغابة لابن الأثير في ترجمة زيد ، ج 2 ، ص 224 - 225 . ( 2 ) - من الآية 157 من سورة الأعراف . ( 3 ) - سؤال طرحه سيد قطب وأجاب عليها بما جاء ملخّصا هنا . شبهات حول الإسلام ، ص 39 .