الشيخ محمد هادي معرفة

193

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

أمّا قّصة زينب بنت جحش - وما أضفى بعض الرواة وأضفى المستشرقون والمبشّرون عليها من أستار الخيال حتّى جعلوها قصّة غرامٍ ووَلَه - فالتاريخ الصحيح يحكم بأنّها من مفاخر نبيّ الإسلام ومواقفه الحاسمة في مكافحة رسوم جاهلية بائدة ، وأنّه - وهو المَثَل الأعلى للإيمان - قد طبّق فيها حديثه الذي معناه : لا يكمل إيمان المرء حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه . وقد جعل نفسه أوّل من يضرب المثل لما يضع من تشريع يمحو به تقاليد الجاهلية وعاداتها ، ويقرّ به النظام الجديد الذي أنزله اللّه هدىً ورحمةً للعالمين . ويكفي لهدم كلّ القصّة - حسبما سطّروها - أن تعلم أنّ زينب بنت جحش هذه هي ابنة امَيمة بنت عبدالمطّلب عمّة رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله ، وأنّها تربَّت بعينه وعنايته ، وكان يعرفها ويعرف أهي ذات محاسن أم لا قبل أن تتزوّج بزيد ، وأنّه هو الذي خطبها على زيد مولاه . وكان أخوها يأبى من أن تتزوّج قرشية هاشمية من عبد رقٍّ اشترته خديجة وأعتقته لرسول‌اللّه ، فكان يرى في ذلك عارا على زينب أخته ، كما هو عارٌ عند العرب . لكنّ النبيّ صلى الله عليه وآله يريد أن تزول مثل هذه الاعتبارات القائمة في النفوس على العصبية الجاهلة ، وأن لا فضل لعربيٍّ على أعجميٍّ إلّا بالتقوى . وهو يرى أن يضحّي من قبيله في كسر شوكةٍ جاهلية ، فلتكن زينب بنت عمّته - وهي امرأة صالحة مطيعة لربّها خاضعة لصالح الإسلام - هي التي تحتمل هذا الخروج على تقاليد العرب وهذا الهدم لعاداتها الجاهلة ، مضحّية في ذلك بما يقول الناس عنها ممّا تخشى سماعه . فاستسلمت هي لما فاتحها الرسول بشأن مكافحة عمليةٍ ، ابتغاءَ مرضاة اللّه . وفي ذلك نزلت الآية : « وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً » . « 1 » لم يبق أمام عبداللّه وأخته زينب بعد نزول هذه الآية إلّا الإذعان والاستسلام ، فقالا : رضينا يا رسول‌اللّه . فلمّا سارت زينب إلى زوجها لم يتلاءم خُلقها مع زيد ، ولعلّه لأسباب ترجع إلى أعرافٍ شبّ عليها كلّ

--> ( 1 ) - الأحزاب 36 : 33 .