الشيخ محمد هادي معرفة
171
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
لكن بأدنى مراجعة لكتب التفسير والسِيَر وكلمات الفقهاء في ذلك يتّضح أنّ الأمر ليس بتلك الحدّة التي كانت تُتُصوّر عن العصر الجاهلي المظلم وإمكان تأثيره على التشريعات الإسلامية الناصعة البيضاء والسهلة السمحاء . كانت المرأة في العصر الجاهلي في مستوى هابط جدّا ، وجاء الإسلام ليأخذ بيدها ويرفعها إلى حيث مستواها الإنساني الرفيع ، ولكن هذا التحوّل الجذري بشأنها هل أمكن حصوله بصورة فجائية وبلا تمهيد مقدّمات ؟ أم كان بحاجة إلى مهلٍ وبصورة تدريجية لقلب تلك الغلظة المتوهّجة إلى رقّةٍ ورأفةٍ هادئة ؟ الأمر الذي يستدعي المسايرة مع القوم بعض الشيء في هذا الطريق الوعر ليمكن إيقافهم أو تمهيد أسباب هذا الإيقاف فيمكن إرجاعهم إلى حيث فطرتهم الإنسانية الأصيلة ! وهكذا جارى الإسلام العرب في بادئ الأمر في قسم من عاداتهم - كانت متحكّمة عليهم تحكّما وثيقا - وفي أثناء هذه المجاراة والمسايرة ، أخذ ينفث في روعهم روح الملاءمة وإبعاد الخشونة لتلين قلوبهم ويهتدوا إلى وجه الصواب ، فيرتدعوا بأنفسهم شيئا فشيئا عن الأخطاء التي كانت تجذبهم بقوّة ذلك العهد . وهذا النحو من سياسة التدبير نرى الإسلام قد اتّخذها بشأن لفيف من عادات جاهلية لم تكن متحكّمة على العرب وحدهم ، بل على سائر الأُمم على وجه العموم . ومن ثمّ كان قلع جذورها بحاجة إلى مُهلة وفرصة زمنية ، قصيرة أو طويلة ، وتمهيد مقدّمات أُصولية تمّهد هذا السبيل . ويمكننا التمثيل لذلك بمسألة الرقّيّة التي جاراها الإسلام ، حيث تحكّمها على العالم كلّه يومذاك ، وكانت سلعة تجارية ضخمة ، لا يمكن مجابهتها بلا تمهيد مقدّمات ، فقد قام الإسلام في وجهها ، لكن لا بشكلٍ علنيّ صريح ، ولكن أعلن مخالفته لمنشأ الاسترقاق الذي كان عليه جمهور الأمم ذلك العصر ، وسدّ طريقه - شرعيّا - ما عدا حالة الاستيلاء على المحاربين في ميدان القتال . الأمر الذي كان يخصّ الرجال المحاربين ضدّ الإسلام دون غيرهم ، ولا النساء ولا الأطفال والشيوخ ، ورفض رفضا باتّا إمكان الاسترقاق بأيّ