الشيخ محمد هادي معرفة

123

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ومن ثمّ نرى أنّ المسيح لم يمكث على خشبة الصلب طويلًا ، ولم تكسر رجلاه كما كسرت رجلا المصلوبين الآخرين . بل جاء يوسف - وهو أحد تلاميذ المسيح - وتسلّم الجسد ، وتعجّبوا من موته سريعا ، فلفّه في كفن ووضعه في قبرٍ له كان هناك . ولا سبب لذلك إلّا العناية الخاصّة التي كانت تحوط المسيح من ناحية الوالي بيلاطس وزوجه ويوسف ونيقوديموس . . . فلهذه الاعتبارات جعلوا يقولون : إنّ المسيح تظاهر بالموت وحسبه الناس ميّتا ، ولم يكن قد مات . والذي تولّى إنزاله رجلٌ من تلاميذه في الحقيقة ، وكان ذلك التظاهر بإيحاءٍ منه وساعده الوالي علىذلك بأن سلّم له فيإنزاله عن‌الخشبة ، واليهود في غفلةٍ عمّا بينه وبين المسيح من العلاقة . ولفّه في كفنٍ ووضعه في القبر وأجاف على الباب حجرا . « 1 » * * * هذا ، ولم يصرّح القرآن بنوعية الشبهة . وقصّة إلقاء الشَبَه على « يهوذا الأسخر يوطى » . جاءت في إنجيل برنابا وبعض المصادر النصرانية . « 2 » ولعلّه الأصل في شيوع ذلك بين مفسّري العامّة ، وعمدتهم : وهب بن‌منبّه « 3 » الذي اشتهر بكثرة النقل عن أهل الكتاب ولا سيّما نصارى نجران « 4 » ولم يؤثر عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام شيء من ذلك في تفاسيرنا القديمة المعتمدة « 5 » سوى ما جاء في التفسير المنسوب إلى عليّ بن‌إبراهيم القمي « 6 » ولم يثبت انتساب هذا التفسير إلى عليّ بن‌إبراهيم ، وإنّما هو من صنع أحد تلامذته المجهولين . « 7 » ومن ثمّ لا يعتمد بما تفرّد به هذا التفسير ما لم يدعمه شواهد توجب الاطمئنان . والمهمّ : أنّ الأناجيل وإن ذكرت قصّة الصلب لكن ليس فيها تصريح بموت المسيح

--> ( 1 ) - راجع : قصص الأنبياء للنجّار ، ص 428 - 429 . ( 2 ) - المصدر : ص 448 - 449 . ( 3 ) - راجع : جامع البيان ، ج 6 ، ص 10 - 12 ؛ ومجمع البيان ، ج 3 ، ص 136 . ( 4 ) - راجع : الإسرائيليات والموضوعات لأبيشهبة ، ص 105 ؛ ومعجم البلدان ، ج 5 ، ص 267 . ( 5 ) - راجع : تفسير العيّاشي ، ج 1 ، ص 175 و 283 ؛ وتفسير التبيان ، ج 2 ، ص 478 وج 3 ، ص 383 ؛ ومجمع البيان ، ج 2 ، ص 449 وج 3 ، ص 135 ؛ وتفسير أبيالفتوح الرازي ، ج 3 ، ص 55 وج 4 ، ص 61 . ( 6 ) - تفسير القمي ، ج 1 ، ص 103 . ( 7 ) - راجع : التمهيد ، الجزء الثامن ، ص 197 .