الشيخ محمد هادي معرفة

109

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

يهرب بالصبي إلى مكان بعيد لا يعرفونه ، خوفا على الصبي من السلطان . فلمّا مات الملك أُلهم يوسف بأن يرجع مع الصبي إلى أرض إسرائيل . وقد كان « أرخيلاوس » ملك اليهود ، فخاف يوسف وعرّج على نواحي الجليل وسكن في مدينة يقال لها ناصرة . « 1 » وفي إنجيل برنابا نفس العبارة مع شيء من التوضيح : « ولمّا مات هيروديس ظهر ملاك الربّ في حلم ليوسف قائلًا : عد إلى إليهوديّة ، لأنّه قد مات الذين كانوا يريدون قتل الصبّي . فأخذ يوسف الطفل ومريم - وكان الطفل بالغا سبع سنين من العمر - وجاء إلى اليهوديّة ، حيث سمع أنّ أرخيلاوس بن‌هيروديس صار حاكما فيها . فذهب إلى الجليل لأنّه خاف البقاء في اليهودية ( أُورشليم ) فذهبوا ليسكنوا في الناصرة . وهكذا يبدو من ظاهر تعبير القرآن : قال تعالى : « وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا . فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً . فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا . . . قالَ إنَّما أنا رَسولُ رَبِّكِ لِابَ لَكِ غُلاما زَكيّا . . . فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانا قَصيّا . فَأجاءَها الْمخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يالَيْتَني مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْيا مَنْسِيّا . فَناداها مِنْ تَحْتِها أنْ لاتَحْزَني قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا . وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجذْع النَخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبا جَنِيّا . فَكُلي وَاشْرَبي وَقَرِّي عَينا . فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشرِ أحَدا فَقُولي إنّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمانِ صَوْما فَلَن أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إنْسِيّا . فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ . قالوا يا مَريمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئا فَرِيّا . . . فَأشارَتْ إلَيْهِ . قالوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ في الْمَهْدِ صَبِيّا . قال إنّي عبْدُاللّه . . . » . « 2 » يبدو من هذه الآيات أنّ مريم اختارت لعبادتها أرضا غير آهلة بعيدة عن مساكن أهلها لتختلي بعبادة ربّها دون أعين الناظرين . وفي هذا الدور جاءها مَلاك الربّ ليبشّرها بالمسيح . ولمّا حملت به أخذت تبتعد أكثر خوف الفضيحة . وكان هناك ( في المكان

--> ( 1 ) - إنجيل متى ، الأصحاح 1 و 2 . ( 2 ) - مريم 16 : 19 - 30 .