الشيخ محمد هادي معرفة

98

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

من تاريخهم ، فكانوا بين أشخاص التزموا مهنة التسوّل وعاشوا في ملاجئ الإحسان وبين رجال ونساء فاسدين ، وأكثر من نصف النساء عاهرات ، وبعضهم حذق أساليب الإجرام ، وتفنّن في الاحتيال والنهب والسرقة والقتل . ولم يعثر في سجلّ هذه الأسرة من بداية تاريخها على واحد قدتعلّم في مدرسة أو تخرّج في جامعة ، ولكن وجد فيها عشرون شخصاً قدتعلّموا صناعات مختلفة ، ولكن أين تعلّموها ؟ لقد تعلّموها بين جدران السجون ، وسبب هذا النسل الفاسد كلّه ليس إلّا رجلًا واحداً فاسداً ، قد لقّحت نطفته الفاسدة المرأة ، فنقلت إلى بويضتها الفساد فورث البنات والبنين الشرّ . هذا مثل طبّي أوردَته كتبُ الطبّ ، وأثبتت كيف نشأ النسل فاسداً كأبيه ، وقد سبقه القرآن الكريم فقال : « فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا . يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا » . « 1 » إنّ إدمان الخمور هو مرض عائلات بأسرها ، وإنّ عدواه لتنقل إلى الذرّية بالتوريث ثمّ بالتقليد ، فإنّ مرض الخمور أسوأ مرض للذرّية يقتدونه . ثمّ إنّ المخ يتأثّر بالخمور ، فيصبح مدمنها ضعيف العقل لايبرم أمراً ولايعي شيئاً . فالخمور تسمّم خلايا الجسم ، ولاسيّما المجموعة العصبية منه ، وتؤثّر في الحيوانات المنوية فتفسد « بروتوبلازمها » وتشوهّه ، فينشأ النسل كذلك مريضاً ضعيف المخّ . وليس فساد النطفة من الخمر مقصوراً على أنسال نسل ضعيف المخّ أو فاسد الأخلاق ، بل إنّها تسبّب أمراضاً أخرى في ذرّيات مدمن الخمور . وما أمراض الفساد الباهي والشهوة الضالّة كمرض « الساديزم » و « الماسوشيزم » إلّا نتيجة ذلك . وهذه الأمراض الوراثية هي علامة نقص في المخّ وضعف في الإرادة ونزوع إلى الجريمة . وما هذا النزوع للجريمة إلّا مرض عقلي ، فكما أنّه لا يوجد فاصل حقيقي بين حدّي العقل والجنون فكذلك لا يوجد فاصل حقيقي بين حدّي الجريمة والجنون . فإنّه

--> ( 1 ) - مريم 27 : 19 - 28 .