الشيخ محمد هادي معرفة

64

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

إنسانا على شاكلته . وما هو إلّا اقتباس من نفس الطبيعة وليس إبداعا بتمام معنى الكلمة . وهذا نظير ما زعمه بعض أهل الجدل - هو ابن أبيالعوجاء - أنّ باستطاعته أن يخلق الديدان والحشرات ، بتمهيد أرضيّته ، فتوجد بفعله - كما زعم - . قال للإمام أبيعبداللّه الصادق عليه السلام : أليس تزعم أنّ اللّه خالق كلّ شيء ؟ قال : بلى ! فقال : أنا أيضا أخلق . قال له الإمام : وكيف تخلق ؟ قال : أحدث ، فما ألبث حتّى يصير دوابّا . فأكون أنا الّذي خلقتها ! فقال الإمام : أليس خالق الشيء يعرف أعداد مخلوقه وأوصافه ؟ قال : بلى ، قال : فتعرف الذكر منها من الأنثى وتعرف كم عمرها ؟ فسكت . « 1 » نعم ، ليس كلّ من يمهّد أرضيّة حدوث شيء بخالق ، بعد أن كان عمله مجرّد توفير شرائط حدوث شيء وظروفه المؤاتية له ، وفقا لمنهج الطبيعة ، التي سنّها اللّه تعالى في الخلق والإيجاد . . فلا يوجد شيء إلّا بإذنه وتحت إرادته تعالى ، ووفقا للنظام العام الذي سنّه اللّه تعالى لحدوث الأشياء . إذ لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه ولا خالق إلّا اللّه . قال تعالى : « أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ، أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ » « 2 » . وقال : « أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ، أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ » « 3 » . نعم « نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ » « 4 » . فكلّ موجود ، وحتى الذي يحدث على يد غيره تعالى ، فإنّما هو مصنوع للّه ، لا شريك له في الخلق والإبداع . وأمّا قوله تعالى : « يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ » « 5 » ، فالمراد : خلق إبداع لا خلق تقليد واقتباسا من سنن اللّه في الطبيعة .

--> ( 1 ) - نقلًا بتصرّف وتلخيص - بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 50 ، رقم 24 عن كتاب التوحيد للصدوق . ( 2 ) - الواقعة 64 : 56 . ( 3 ) - الواقعة 58 : 56 و 59 . ( 4 ) - الواقعة 57 : 56 . ( 5 ) - الحج 73 : 22 .