الشيخ محمد هادي معرفة

59

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ومن عجب أنّه في كلتا الحياتين الحيوانية والنباتية ، منذ ظهور الكائنات البروتوبلازمية الأولى ، قد تطوّر الذكر والأنثى بشكل جعل كلّ نوع يستمرّ بالاتّحاد المتكرّر مع الاحتفاظ بمميّزاته العامّة . وليس هذا مجال البحث في تفاصيل الاضطرارات والنتائج الطبيعية والكيموية التي أدّت إلى التوزيع . ويكفي أن نجعل الأمر مفهوماً لُاولئك الذين ليس لهم معرفة خاصّة بالعلوم . ويمكن إيضاح الأمر على الوجه الآتي : الظاهر أنّ مجموعات الخلايا كانت أدنى إلى البقاء حيّة حين كانت على صلات وثيقة معاً ، وبذا بدأت تتّحد ، ثنائية ورباعية ومئوية وألفية ثمّ مليونية . ثمّ دعيت كلّ خليّة لأن تؤدّي مهمّة وكّلت إليها . وتدريجاً - مع تكليفها تلك المهامّ المختلفة - أصبح في حيّز الإمكان أن يقوم المجموع بوجوه جديدة من النشاط ، ففي الحيوانات صار الحمل ( وهو عبارة عن تركيبات صغيرة تشبه الشعر ) . وصارت الزوائد والأقدام الكاذبة تساعد على جمع الطعام الذي تنشط خلايا أخرى في هضمه . وبعض الأجزاء كانت مكوّنة من عدّة خلايا . فهناك مجموعة منها صنعت غطاءً وقائياً كثيفاً كقشر الشجرة ، وأخرى كانت مشغولة بنقل الغذاء من مكان إلى آخر في المخلوق الحيّ . وأخيراً نجدها مشغولةً بتكوين الخشب في الجذوع ، أو بتكوين العظام أو الأصداف لتدعم جرمها المتجمّع النامي . وبعض الأصداف وضعت في الخارج ، مثل أصداف اللزيق ( سمك صدفي ) . وهذه الحيوانات الرخوة من النوع الذي يغلق على نفسه . وبعض العظام قد كوّنت بالداخل ، فالإنسان يحتاج إلى سلسلة فقرية . وجميع الأشياء التي تعيش تبدأ من خليّة بسيطة ، وهذه الخليّة ترغم كلّ نسلها على أن يؤدّي الخدمات وأن يتبع دون انحراف تصميم المخلوق الذي كان على الخليّة الأصلية مضاعفته ، سواء أكان سلحفاةً أم أرنباً . وقد يمكن السؤال عمّا إذا كان للخلايا فهمٌ وإدراك أم لا ، وسواء اعتقدنا أنّ الطبيعة قد زوّدت الخلايا بالغريزة - مهما تكن هذه - أو بقوّة التفكير أم لم نعتقد ذلك فلا مناصَ لنا من الاعتراف بأنّ الخلايا ترغم على تغيير شكلها وطبيعتها كلّها لكي تتمشّى مع