الشيخ محمد هادي معرفة

52

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

الحشرات على أن تحمل اللقاح من عضو التذكير إلى عضو التأنيث . والحياة كيموية ، فهي التي تهب المذاق للفواكه والتوابل وتهب العطر للورد . والحياة تركّب مواد جديدة لم‌تجهزها الطبيعة بعد ، لموازنة عمليّاتها والقضاء على الحياة المغيرة . والحياة تهب الضوء البارد « للذباب المنير » ليعاونه على بثّ غرامه ليلًا . وكيميا الحياة فائقة ، لأنّها لاتقنع باستخدام أشعّة الشمس لتحويل الماء وحامض الكربون إلى خشب وسكّر ، بل إنّها إذ تفعل ذلك تطلق الاوكسيجين كي تتنسّم الحيوانات نسيم الحياة . والحياة مؤرّخة ، فقد كتبت تاريخها صفحة صفحة ، تاركة سجلّها في الصخور ، وهو تاريخ كتبته بنفسها ولاينتظر إلّا الترجمة . والحياة تمنح مخلوقاتها الفرح لكونها حيّة ، فالحمل يرتع ويقفز ، وهو لا يدري لماذا . والحياة تلوّن عيني الطفل وتمنحهما بريقاً ، وتصبغ خدّيه ، وتبعث بالضحك إلى شفتيه . أمّا المادّة فلا تبتسم أبداً . والحياة تقي مخلوقاتها بوفرة الغذاء في البيض ، وتعدّ كثيراً من صغارها للحياة الناشطة بعد الميلاد ، أو أنّها تخزن الغذاء تأهّباً لصغارها بوحي أمومة لاشعورية . والحياة تنتج الحياة ، إذ تعطي اللبن لسدّ الحاجات العاجلة ، متوقّعة هذه الضرورة ، ومتأهّبة لما يجيء من حوادث . والحياة قد جاءت للعالم بحبّ الامّ لولدها ، وجاءت للإنسان بالمثوى والأسرة ، وبحبّ الوطن الذي ينافح عنه حتى الموت . والحياة تحمي نفسها ، بالحيطة في استخدام الألوان لمساعدة مخلوقاتها أو إخفائهم ، وبإعداد الساقَين للجري ، ومنح الأسلحة للدفاع ، من القرون والأشداق والمخالب ، وكذا السمع والبصر والشم ، والأجنحة للتحليق في الجوّ ، وهكذا تزوّد الحياة والدفاع والهجوم وهي تهب قناعاً خفياً لبعض الحشرات التي لا يحدث منها أيّ أذى ، لكي تقيها كلّ هجوم . أمّا المادّة فإنّها لم تفعل قطّ أكثر ممّا تمليه قوانينها . فالذرّات إنّما تطيع قواعد الألفة الكيموية وقوّة الجاذبية وتأثيرات درجة الحرارة والدوافع الكهربية .