الشيخ محمد هادي معرفة

50

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

لتسبر غورها وتتخلّل الأمواج المتلاطمة وتنفذ في رمال كلّ شاطىء . وقد مضت الحياة قُدُماً حيث تراجع كلّ عصر من عصور الجليد ، وقاومت كلّ تقدّم للمناطق الباردة ، قوية مظفرة . وقد ارتفعت الجبال من الأرض ذات الغضون ، وانشقّ السطح واهتزّ مع كلّ زلزال . وتفتّتت قمم الجبال الشاهقة خلال ملايين السنين ، وبان أثر ذلك في طبقات بعضها فوق بعض ، وغمر ماء البحار قارّات ، وصار غرين ( طمي ) الأراضي القديمة يغطّي قاع كلّ محيط وكأنّه كفن . ولكن استمرّت الحياة بعد ذلك كلّه ! والحياة تستخدم ذرّات الأرض ، وتخلق عجائب جديدة طبقاً لقوانين الكون ، ولكنّها في تقدّمها تخلّف وراءها كلّ صغيرة لمستها . وأنّ « صخور دوفر البيضاء » المكوّنة من الطباشير والجير والحجر الصوان لتقصّ علينا قصّة الحيوانات الرخوة والنباتات المائية والمخلوقات البحرية التي لاعدد لها في خلال الدهور . وأنّ الغابات الحيّة والفحم والزيت والغاز لتدلّنا على نشاط العالم القديم الذي تلقّت فيه الحياة طاقة الشمس ، وأحالها الإنسان نارا . وأنّ هذه التركة لتفوق في قيمتها كلّ ثروة أخرى ، لأنّها رفعت الإنسان عن مرتبة الحيوان ومن بين أتون بدايات القشرة الأرضية ، حيث كانت كلّ مادة تستحيل جمرةً أو رماداً ، استخدمت الحياة طاقة الشمس ، ومزّقت ذرّات الماء المتّحدة ، وفصلت الكربون البليد من الاوكسيجين وحوّلته إلى ثاني اوكسيد الكربون ، وخزنت في الأرض وفوق سطحها الموارد الوحيدة للنار . ومن النار قام المثوى وجميع أدوات المدنية ، وكلّ ذلك لأنّ الحياة تلقّفت وحفظت كلّ القوى التي أطلقتها الشمس . وقد تغلّبت الحياة على الظروف المتغايرة للماء والأرض والهواء ، ولا تزال ماضية في طريقها في شكل نبات وحيوان . ومن الأميبا « 1 » صاعداً إلى السمك والحشرات وذوات الثدي وطيور الجو ، أو نازلًا إلى الجرثومة والميكروب والبكتريا ، وكذا النباتات التي لاحصر لها ، وسواء في شكل خليّة أو سمكة قرش أو عنكبوت أو ديناصور أو إنسان أو

--> ( 1 ) - الأميبا : حيوان ميكروسكوبي ذو خليّة واحدة يتولّد بالانقسام الذاتي .