الشيخ محمد هادي معرفة

266

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

البقرة وأول جدي من نتاج الشاة وغيرها ) . وكانت لتلك الحفلة دعاء خاصّ يتضمّن الاعتراف بمتطلّبات الناموس . وكانت التقاليد والأعراف - لعدم وجود أيّة تعليمات عن ذلك في الناموس - هي التي جعلت اليهود متأخّرا قوم صلاة ودعاء ، ومن ثمّ كانت مجرّد تلفظ بعبارات فارغة لاروح فيها ولا خشوع . وكان بيع بركة اللّه والمتاجرة بغفرانه على أيدي الكهّان متعارفا بين اليهود ، والقرآن الكريم يوبّخ اليهود توبيخا شديدا لأنّهم كانوا يبيعون آيات اللّه . « 1 » وجاء المسيح عليه السلام فكانت تعاليمه تمثّل طورا أحدث وتطوّرا في الغريزة الدينية عند الإنسان ، ولذلك قدّرت طبيعة الدعاء واعترفت بالصلاة اعترافا كاملًا . وقد كرّس جهوده على ذلك بأن جعل نفسه المثال الأول ، وكان تلاميذه الأولون خضوعا لروح معلّمهم الأكبر ، يشدّدون على التعلّق باللّه والاعتراف بفضله وشكره عليه . ولكن عدم وجود قاعدة محدّدة لإرشاد العامّة تركهم مع مرور الزمن يبتعدون ابتعادا كاملًا عن هدى معلّمهم ، كما جعلهم يضلّون الطريق فيما يختصّ بجميع قيم الصلوات . ومن ثمّ تولّد من ذلك الخضوع إلى الكهّان ، فاحتكر هؤلاء في أيديهم وظيفة تحديد عدد الصلوات وطول الأدعية وكلماتها . ومن هنا نتجت تلك العبادات الميكانيكية للرهبان الفاقدة للروح . كما تولّد ذلك الزحف العارم إلى الكنائس والأديرة في يوم واحد من الأسبوع بغية المزيد من الغذاء الروحي ، ولكن من غير جدوى . * * * كلّ هذه المساوئ والمفاسد العبادية قد تراكمت بعضها فوق بعض في مطلع القرن السابع للميلاد ، حين أخذ نبيّ شبه الجزيرة العربية يدعو قومه ويبشّر بدين معدّل جديد . وقد سنّ نبيّ الإسلام الأدعية وفرض على أتباعه الصلوات بصورة نزيهة وطاهرة ومصفّية للنفوس ، وبذلك نراه قد اعترف بذلك الشوق الروحي في الإنسان لكي يفيض حبّها المتدفّق وتعبّر عن امتنانه للّه بأجلى الكلمات وأحلى التعابير .

--> ( 1 ) - راجع : الآية 41 و 79 من سورة البقرة ، والآية : 77 و 199 من سورة آل عمران ، والتوبة 9 : 9 ، والنحل 95 : 16 ، وغيرها .