الشيخ محمد هادي معرفة

264

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

هؤلاء . مع توصيتهم بتقوى اللّه فيمن ولّاهم اللّه عليهم من الصغار ، لعلّ اللّه أن يهيّئ لصغارهم من يتولّى أمرهم بالتقوى والتحرّج والحنان . * * * « إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً » . وهذه هي اللمسة الأخرى ، صورة مفرغة ، صورة النار في البطون ، وصورة السعير في نهاية المطاف . إنّ هذا المال ، نار ، وإنّهم ليأكلون هذه النار ، وإنّ مصيرهم لإلى النار . فهي النار تشوي البطون وتشوي الجلود ، هي النار من باطن وظاهر ، هي النار مجسّمة حتّى لتكاد تحسّها البطون والجلود ، وحتّى لتكاد تراها العيون ، وهي تشوي البطون والجلود . ولقد فعلت هذه النصوص القرآنية - بإيحاءاتها العنيفة العميقة - فعلها في نفوس المسلمين ، خلّصتها من رواسب الجاهلية . هزّتها هزّة عنيفة ألقت عنها هذه الرواسب ، وأشاعت فيها الخوف والتحرّج والتقوى والحذر من المساس - أيّ مساس - بأموال اليتامى . كانوا يرون فيها النار التي حدّثهم اللّه عنها في هذه النصوص القويّة العميقة الإيحاء . فعادوا يجفلون أن يمسّوها ، ويبالغون في هذا الإجفال . قال ابن عبّاس : لمّا نزلت هذه الآية انطلق من كان عنده يتيم ، فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه ، فجعل يفضل الشيء ، فيحبس له حتّى يأكله أو يفسد . فاشتدّ ذلك عليهم . فذكروا ذلك لرسول اللّه صلى الله عليه وآله فأنزل اللّه : « وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ » . « 1 » فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم . « 2 » وكذلك رفع هذا المنهج القرآني هذه الضمائر إلى ذلك الأفق الوضيء وطهّرها من غبش الجاهلية ذلك التطهير العجيب .

--> ( 1 ) - البقرة 220 : 2 . ( 2 ) - راجع : مجمع البيان ، ج 2 ، ص 317 ، عند تفسير الآية رقم 220 من سورة البقرة ؛ وجامع البيان للطبري ، ج 2 ، ص 217 .