الشيخ محمد هادي معرفة

262

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً - إلى قوله : - وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً . إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً » . « 1 » انظر إلى دقة تعابير القرآن الواردة في هذه الآيات : إنّها توصيات مشدّدة بما كان واقعا في الجاهلية العربية من تضييع لحوق الضعاف بصفة عامّة ، والأيتام والنساء بصفة خاصّة . هذه الرواسب التي ظلّت باقية في المجتمع المسلم حتّى جاء القرآن يذيبها ويزيلها ، وينشئ في الجماعة المسلمة تصوّرات جديدة ومشاعر جديدة وعرفا جديدا وملامح جديدة . « وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ » . أعطوا اليتامى أموالهم التي تحت أيديكم ، ولاتعطوهم الرديء في مقابل الجيّد ، كأن تأخذوا أرضهم الجيّدة وتبدّلوهم منها من أرضكم الرديئة ، أو ماشيتهم أو أسهمهم أو نقودهم ، أو أيّ نوع من أنواع المال فيه الجيّد والردي وكذلك لا تأكلوا أموالهم بضمّها إلى أموالكم ، كلّها أو بعضها ، إنّ ذلك كان ذنبا كبيرا ، واللّه يحذّركم من هذا الذنب الكبير . فقدكان هذا كلّه يقع إذا في البيئة التي خوطبت بهذه الآية أول مرّة . فالخطاب بشيء بأنّه كان موجّها إلى مخاطبين فيهم من يقع منه هذه الأمور . وهي من أثر مصاحب من آثار الجاهلية ، وفي كلّ جاهلية يقع مثل هذا . قال سيد قطب : ونحن نرى أمثاله في جاهليتنا الحاضرة في المدن والقرى ، وما تزال أموال اليتامى تؤكل بشتّى الطرق وشتّى الحيل ، ومن أكثر الأوصياء بل الأولياء ، على الرغم من كلّ الاحتياطات القانونية ، ومن رقابة الهيئات الحكومية المخصّصة للإشراف على أموال القصّر ، بل الغيّب أيضا .

--> ( 1 ) - النساء 2 : 4 - 10 .