الشيخ محمد هادي معرفة
260
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
فالشريعة إنّما جاءت بما يحكم به العقل الرشيد ، ويتوافق مع الفطرة السليمة . * * * ومن جهة أخرى ، كانت القوانين الإلهية جامعة وشاملة للجوانب الثلاثة في حياة الإنسان ، والمرتبطة بعضها مع البعض - حسبما مرّت الإشارة إليه - وهي : جانب الفرد ذاته . وجانب المجتمع الذي يعيش فيه . وجانب حقّ اللّه في الخلق ، والذي ضمن للإنسان كرامته في الحياة ، وحبّب إليه عواطفه النبيلة مع بني نوعه العائش معهم ، تلك جوانب الحياة الإنسانية الراقية ، التي ضمنتها القوانين الإلهية ، والتي اعوزتها أو افتقدتها سائر القوانين . وإليك بعض الأمثلة على ذلك : قال تعالى بشأن شريعة القصاص : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ . وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » . « 1 » في هذه الآية - بل في هذا التشريع العادل - نكات ودقائق ظريفة : أولًا : إنّ في شريعة القصاص ضمانا للحياة وإبقاءً عليها ، وليس تكثيرا في القتل كما يتوهّمه القاصرون . ثانيا : ضمان العدالة الاجتماعية في التعادل بين أصناف الإنسان ، فلا يُقتل حرّ بعبدٍ ، ولاذكر بأنثى إلّا بعد دفع التفاوت ، وفي شرائط خاصّة محرّرّة في الفقه . ثالثا - وهو عمدة النظر هنا - : جانب رعاية الاخوّة الإنسانية الكامنة وراء كلّ تشريع إلهي عرضه الإسلام . فالقانون - مهما كان - لامرونة فيه ولاعطوفة ، إلّا إذا كان ناشئا عن واقع الإنسان النابع عن كرامته وفضيلته في هذه الحياة . والذي نجده في قوانين الشريعة التي عرضها القرآن : أنّ لأولياء الدم حقّ مطالبة القصاص ، ولكن لافي جفاء « وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ
--> ( 1 ) - البقرة 178 : 2 - 179 .