الشيخ محمد هادي معرفة

26

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

والنفخ والروح ووراءها علوم غامضة يغفل عن طلبها أكثر الخلق ، وربّما لايفهمونها إن سمعوها من العالم بها . قال : ولو ذهبتُ افصّل ماتدلّ عليه آيات القرآن من تفاصيل الأفعال لطال ، ولا يمكن الإشارة إلّا إلى مجامعها . فتفكّر في القرآن ، والتمس غرائبه ، لتصادف فيه مجامع علم الأوّلين والآخرين . « 1 » هذا كلامه الظاهر في اشتمال القرآن على دقائق ولطائف لا يمكن الوقوف على حقيقتها إلّا بعد الحصول على علوم مرتبطة ومعارف متناسبة مع الذي جاء في القرآن . وهو كلام صحيح ، حيث إحدى الوسائل لمعرفة معاني كلام اللّه تعالى ، هي العلوم والمعارف البشريّة العالية . وهناك فرق بين الانبعاث نحو العلوم والمعارف ، وبين الانتشاء واستخراج العلوم منه . فإنّ الصحيح هو الأول دون الأخير الذي ذهب إليه أمثال المرسي . * * * ولأبيإسحاق الشاطبي - الفقيه الأصولي - ( ت 790 ) رأي معارض ، ينكر على القائلين باشتمال القرآن على أنواع العلوم غير الشرعيّة ، وحتى الإشارة إليها سوى ما كانت العرب تعرفه من علوم متعارفة ، كعلم الأنواء وبعض التواريخ وما أشبه ممّا كان متداولًا لدى العرب وأشار إليه القرآن في عرض كلامه . قال : إنّ العرب كان لها اعتناء بعلوم ذكرها الناس ، وكان لعقلائهم اعتناء بمكارم الأخلاق ، واتّصاف بمحاسن الشيَم ، فصحّحت الشريعة منها ما هو صحيح وزادت عليه ، وأبطلت ما هو باطل ، وبيّنت منافع ماينفع من ذلك ، ومضارّ مايضرّ منه . ثمّ ذكر من العلوم الصحيحة التي اعتنت العرب بها علم النجوم ومايختصّ به من الاهتداء في البرّ والبحر ، واختلاف الأزمان باختلاف سيرها ، ومايتعلّق بهذا المعنى . ثمّ قال : وهو معنى مقرّر في أثناء القرآن في مواضع كثيرة ، كقوله تعالى : « وَهُوَ الَّذِي

--> ( 1 ) - جواهر القرآن ، ص 31 - 34 ؛ راجع : التفسير والمفسّرون للذهبي ، ج 2 ، ص 474 - 477 .