الشيخ محمد هادي معرفة
244
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
هلمّ نبني لأنفسنا مدينة وبرجا رأسه في السماء ، ونصنع لأنفسنا اسما لئلّا نتبدّد على وجه كلّ الأرض . فنزل الربّ لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما ، وقال الربّ : هو ذا شعب واحد ، ولسان واحد لجميعهم ، وهذا ابتداؤهم بالعمل . والآن لا يمنع عليهم كلّ ما ينوون أن يعملوه ، هلمّ ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتّى لا يسمع بعضهم لسان بعض . فبدّدهم الربّ هناك على وجه كلّ الأرض ، فكفّوا عن بنيان المدينة » . « 1 » هكذا يعارض إله التوراة حضارة الإنسان ، ويعرقل في سبيل مدنيّته ، وبذلك يكون قد كافح واقع الحياة وعارض متطلّباتها التي جعلها هو في ذات الإنسان . إن هذا إلّا تضادّ عارم يتحاشاه ربّ العالمين وإله الخلق أجمعين . * * * هذا ، بينما القرآن يجعل من الإنسان أكرم خليقته ويفضّله على كثير ممّن خلق ، ويعلّمه الأسماء كلّها ليجعله خليفته في الأرض ، ويوكّله عمارة الأرض « هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها » . « 2 » وعلّمه ما لم يعلم « 3 » « وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ » . « 4 » تقديس مقام الأنبياء والرسل وتفخيم شأنهم ويتعرّض القرآن لذكر الأنبياء فيصفهم بكلّ جميل ينبغي أن يوصفوا به ، وينسب إليهم كلّ مأثرة كريمة تلازم قداسة النبوّة ، ونزاهة السفارة الإلهية . « الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ » . « 5 »
--> ( 1 ) - العدد : 1 - 9 ، ص 17 . ( 2 ) - هود 61 : 11 . ( 3 ) - إشارة إلى قوله تعالى : « عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ » العلق : 5 . ( 4 ) - البقرة 151 : 2 . ( 5 ) - الأعراف 157 : 7 .