الشيخ محمد هادي معرفة
221
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الشعب وأنّهم صلة الوصل باللّه وأكثر الناس قربى من اللّه . وبالإضافة إلى ذلك ، فإنّ الجماهير اليهودية لم تترك عبادة التيرافيم ، وهي عبارة عن آلهة كانوا يحتفظون بها في بيوتهم ، قد صنعوها على شكل بني البشر ، وكانوا يستشيرون هذه الآلهة في كلّ المناسبات ، على اعتبار أنّها آلهتهم الخاصّة التي تتلقّى الوحي من اللّه . ولابدّ أن تكون هذه العبادة قد تعزّزت وارتفع شأنها عن طريق الاتّصال مع الوثنيين العرب . ونحن نرى أنّ الفلسفة الكلدوزرادشتية قد تركت أثرها الذي لايمحى على التقاليد اليهودية من جهة ، ومن جهة أخرى فقد كان أعظم مفكّريهم - حين يحاولون إدخال الاعتقاد بالعلّة الأولى إلى آراء وتصانيف فلاسفة اليونان والرومان - يُشرّبون مدارس الفكر الإسكندرانية بمبادئ وأفكار لا يمكن أن تتّفق مع مذهبهم التوحيديّ الأصل . وبالإضافة إلى هؤلاء كان هنالك الهندوس مع الحشد الضخم من آلهتهم وإلاهاتهم ، والزرادشتيون مع توأم آلهتهم اللذين يتخاصمان دوما في سبيل الغلبة والسيادة . ولن يغيب عن بالنا اليونان والرومان والمصريون ، مع هياكلهم التي تتراكم فيها الآلهة بأخلاقها التي لاترقى إلى مستوى أخلاق عبدتها المنحلّين . * * * هكذا كان حال العالم المتحضّر في إبّان نشر دعوة المسيح عليه السلام . وكان السيّد المسيح بالرغم من كلّ بشاراته وتعاليمه واتّجاهات فكرته فإنّه لم يدّع أنّه « متمّم للّه » أو أنّه « جوهر اللّه وذاته » إطلاقا . ومن المؤسف حقّا أنّه حتّى المسيحية الحديثة قد ظلّت عاجزة عن انتزاع نفسها وتحريرها من الأساطير القديمة التي تركتها لها العصور الغابرة ذلك لأنّ أتباع المسيحية كانوا يتخلّصون جيلًا بعد جيلٍ من كلّ ما هو بشري ، في تاريخ المسيح حتّى ضاعت شخصيّته في خضمّ الأساطير . وها هو « العهد الجديد » ذاته - بما تفرّع عنه خلال قرن كامل - يترك المسيح تلك الشخصية الجليلة غامضة يلفّها ضباب الشكّ والأسطورة أكثر ممّا ينيرها اليقين