الشيخ محمد هادي معرفة
218
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
التقدير المنطقي للُامور ، مع أنّ قانون الرومان أنشأته الدولة الرومانية في تجارب ثلاثماءة سنة وألف ، من وقت إنشاء مدينة روما إلى ما بعد خمسمائة من الميلاد . ومع أنّه قانون تعهّده علماء قيل إنّهم ممتازون ، منهم : سولون الذي وضع قانون أثينا ، ومنهم : ليكورغ الذي وضع نظام اسبرطة . فجاء محمّد صلى الله عليه وآله ومعه القرآن الذي ينطق بالحقّ عن اللّه سبحانه وتعالى من غير درسٍ دَرَسَهُ ، وكان في بلد امّي ليس فيه معهد ولاجامعة ولا مكان للتدريس ، وأتى بنظام للعلاقات الاجتماعية والتنظيم الإنساني لم يسبقه سابق ولم يلحق به لاحق . « 1 » « لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ » . « 2 » هكذا جاء القرآن بشرائع راقية - فاق بها شرائع وضعتها البشرية - شاملة كاملة وكافلة لسعادة الإنسان في الدارين . فكانت معجزة خارقة ، ودليلًا واضحا على صدق رسالة اللّه في الأرض . فالآية المعجزة في القرآن الكريم ، أنّه أتى بمعارف تسمو معارف البشرية ، وجاء بشرائع تتعالى عن خسائس الشرائع الوضعية ، وبذلك كانت معارف القرآن وشرائعه ممتازة عن سائر الشرائع والأديان بحيث لا تشابه بين شريعة الإسلام وما كان عليه الإنسان المتحضّر في ذلك العهد . إذا فكيف يزعم بعض أصحاب العقول الضعيفة : أنّ القرآن - بل الإسلام - أخذ شرائعه من شرائع وضعية كان قد وضعها الرومان ، أو أخذ معارفه من معارف فرضية كان قد فرضها اليونان ، أو غيرهما من أمم بائدة قد أكل الزمان عليها وشرب ؟ ! حاش القرآن أن ينتهج منهجا كان معوجّا في أساسه غير قويم . « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » . « 3 »
--> ( 1 ) - المعجزة الكبرى ، ص 455 ؛ وراجع : الفرقان والقرآن ، ص 233 - 234 . ( 2 ) - آل عمران 164 : 3 . ( 3 ) - الروم 30 : 30 .