الشيخ محمد هادي معرفة
204
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وهكذا الآيات النازلة بشأن غزوة تبوك ، من تثاقل من المسلمين ومن تقاعس منهم من ضعاف الإيمان . قال تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ، أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ . فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ . إن لا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً . وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » . « 1 » قال الطبرسي : لمّا رجع رسول اللّه صلى الله عليه وآله من الطائف أمر بالجهاد لغزوة تبوك . وكان قلّ ما خرج في غزوة إلّا كنّى عنها وورّى بغيرها ، إلّا غزوة تبوك ، لبعد شُقّتها وكثرة العدوّ ، ليتأهّب الناس ، فأخبرهم بالذي يريد . فلمّا ظهر من الناس تثاقلهم ، أنزل اللّه . . . « 2 » قوله تعالى : « وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ » . . قال سعيد بنجبير : هم أبناء فارس . وقال تعالى : « إن لا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ ، إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ : لا تَحْزَنْ ، إِنَّ اللَّهَ مَعَنا . فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها . وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا . وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » . « 3 » قوله تعالى - حكاية عن النبيّ صلى الله عليه وآله - : « إِنَّ اللَّهَ مَعَنا . . . » . . ثقة باللّه قاطعة أنّه سيؤيّده بنصره ، وقد تحقّق بالفعل : « فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها » . وقال تعالى : « لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ ، وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ، وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ . يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ . وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ » . « 4 » قوله : « سَيَحْلِفُونَ . . . » . قال الزمخشري : يعني المتخلّفين عند رجوعك من غزوة تبوك ، معتذرين ، يقولون : باللّه لو استطعنا لخرجنا معكم . قال : والإخبار بما سوف يكون بعد القفول - من حلفهم واعتذارهم - وقد كان ، هو من
--> ( 1 ) - التوبة 38 : 9 - 39 . ( 2 ) - مجمع البيان ، ج 5 ، ص 30 . ( 3 ) - التوبة 40 : 9 . ( 4 ) - التوبة 43 : 9 .