الشيخ محمد هادي معرفة

199

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وقال بشأن الوليد بن‌المغيرة : « 1 » « ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً . وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً . وَبَنِينَ شُهُوداً . وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً . ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ . كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً . سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً . إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ . فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ نَظَرَ . ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ . ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ . فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ . سَأُصْلِيهِ سَقَرَ » . « 2 » وبشأن أبيجهل : « 3 » « أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى . عَبْداً إِذا صَلَّى . أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى . أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى . أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى . أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى . كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ . ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ . فَلْيَدْعُ نادِيَهُ . سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ » . « 4 » فلو لم يكن ذلك من علّام الغيوب - المحيط بالماضي والحال والمستقبل - لما صحّ ذلك في ما أخبر به . بل لما كان من عاقل البشر أن يضع مصير دعوته على شيء معيّن يحتمل خلافه . فلو كان آمن واحد من هؤلاء الثلاثة الذين دمغهم القرآن بالكفر والشقاق المخلّد ذكره في زمرة الأشقياء لانطفأت شعلة الإسلام وقامت الحجّة على القرآن ومن

--> ( 1 ) - هو الوليد بن‌المغيرة المخزومي من أشراف قريش وقضاتها في الجاهليّة ومن الأثرياء . أعلن العداوة للدعوة الإسلاميّة ، وهلك كافرا قبل الهجرة بعام . هو والد خالد بن‌الوليد بطل المعركة يوم أحد . قال الإمام الرازي : أجمعوا على أنّ المراد هاهنا : الوليد بن‌المغيرة . . . راجع : التفسير الكبير ، ج 30 ، ص 198 . ( 2 ) - المدّثّر 11 : 74 - 26 . ( 3 ) - هو أبو جهل بن‌هشام ، قتل في واقعة بدر مذموما . كان من أعدى أعداء الإسلام ، مهرّجا مستهترا وقيحا . قال ابن‌إسحاق : لمّا نزلت الآية : « أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ، إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ، إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ، طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ ، فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ . . . » الصافّات 61 : 37 - 62 . فقد أهاجت من غلواء المشركين وجعلتهم حيارى مندهشين . فعمد أبو جهل - على عادته - يحاول تهدئة هياجهم المبرّح ، قائلًا : يا معشر قريش ، أو تدرون ما هي شجرة الزقّوم ، إنّها عجوة يثرب بالزبد . فواللّه لئن استمكنّا منها ، لنتزقّمنّها تزقّما التزقّم : الابتلاع . قالها مستهزءا لهياجهم الثائر . قيل : فنزلت : « إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ ، كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ . خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ ، ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ . ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ . . . » . الدخان 43 : 44 - 49 . فما أبرها من معجزة ، دامغة في حينها وجارية مع الطغاة أبدا . ( 4 ) - العلق 9 : 96 - 18 .