الشيخ محمد هادي معرفة
159
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
تطويقا ، وقد ظهرت منه كثير من الجزر التي تحفّ بهذا الساحل . ويقابل ذلك من الجهة المضادّة من الأرض طوق آخر من السلاسل يطوّق القارّة القطبية المتجمّدة الجنوبية ، وترتبط بالطوقين المذكورين ارتباطا وثيقا أطواق اخر لسلاسل جبلية ممتدّة في القارّات وفي المحيطات من الشمال إلى الجنوب ، كأنّها إطارات تشابكت بعضها ببعض ، فاستمسكت بعرى الأرض دون التفتّت والانبثاث وتفرّق ذرّاتها هباءً في الفضاء . « 1 » * * * ومن جانب آخر كانت الأرض ذات لهب في باطنها ، إنّها نارٌ موقدة ذات تغيّض وزفير ، تكاد تميّز من الغيظ ، وتحاول تحطيم القشرة المحيطة بها لولا صلابتها وسمكها الثخين . وما هذه الزلازل ونافورات البراكين إلّا جانبا ضئيلًا من تلك الثورة والفورة النارية والمتوهّجة في باطن الأرض . إنّ صلابة القشرة الأرضية العليا - التي بردت منذ أحقاب من الزمان - هي التي كفحت من جماح باطنها المتوقّد ، ولولا صلابتها وضخامة سمكها لتلوّت واضطربت اضطراب الأرشية ، ولكانت الزلازل والهزّات الأرضية مستمرّة على أشدّها ، ولعمّت وجه الأرض كلّها . هذا إلى جانب أخطار خسف الأرض بأهلها وتشقّق أكنافها ، لولا أنّ اللّه تعالى أمسكها بفضله وأسكنها برحمته . « إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا » . « 2 » هكذا قال سيّدنا الأستاذ الطباطبائي قدس سره عند قوله تعالى : « وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ » : فيه دلالة على أنّ للجبال ارتباطا بالزلازل ، ولولاها لاضطربت الأرض بقشرتها . « 3 » قال سيّد قطب : الآية تقرّر أنّ هذه الجبال الرواسي تحفظ توازن الأرض ، فلا تميد بهم ولاتضطرب . وحفظ التوازن يتحقّق في صور شتّى ، فقد يكون توازنا بين الضغط الخارجي على الأرض والضغط الداخلي في جوفها ، وهو يختلف من بقعة إلى بقعة . وقد
--> ( 1 ) - بصائر جغرافية ، ص 100 - 104 . ( 2 ) - فاطر 41 : 35 . ( 3 ) - الميزان ، ج 14 ، ص 305 .