الشيخ محمد هادي معرفة
157
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وبذلك انقسم وجه الأرض إلى مرتفعات شامخات وهضبات ، وإلى وديان وسهول . قوله : « وأساخ قواعدها في متون أقطارها ومواضع أنصابها » أصرح في الدلالة على السلاسل الجبلية المكتنفة بالأرض من جميع أقطارها . قوله : « وجعلها للأرض عمادا ، وأرّزها فيها أوتادا » لأنّها هيالتي حالت دون تفتّتها ودون اضطراب قشرتها ، ودون خروجها عن مداراتها . تلك ثلاث خلال ، جاءت في وصف الإمام عليه السلام ، لبيان حكمة نتوء الجبال وتسلسلها الماسكة بأكناف الأرض ، وإليك شرح هذا الجانب : قال عليه السلام : « فسكنت على حركتها من أن تميد بأهلها ، أو تسيخ بحملها ، أو تزول عن مواضعها . . » تلك ثلاث فوائد وحكم جاءت في كلامه : ( أولًا ) هدأت - رغم حركتها الانتظامية - من المَيَدان والاضطراب ، فهي تتحرّك بهدوء واتّزان ، لاترتعش ولاتميد ولاتضطرب . ( ثانيا ) هدأت واطمأنّت واستحكمت قشرتها وصَلُبت ، فلا تسيخ ولاتنخسف ولاتتشقّق قشرتها ، وإلّا لأصبحت قشرة الأرض كلّها براكين وفوهات ونافورات بالموادّ المنصهرة والجلاميد المذابة . ( ثالثا ) هدأت وانتظمت في حركاتها الوضعية والانتقالية على أنحائها وأنواعها ، والتي بها انتهجت الحياة عليها منهجها الرتيب ، فلاتميل عن مواضعها في دوائرها الدائرة فيها بانتظام . هذه ثلاث حِكم بيّنها الإمام عليه السلام أثرا لوجود سلاسل الجبال في الأرض ، الأمر الذي يدعمه العلمُ باكتشافاته وبحوثه وتجاربه . وتوضيحا لهذا الجانب نقول : إنّ هذا الأثر العظيم للجبال - في إمكان الحياة على وجه الأرض - إنّما يعلّله جانب صخرية السلسلة الجبلية المنبثّة في القشرة الأرضية الصلبة ، والمتشابكة بعضها مع بعض كأطواق محيطة بأكناف الأرض . ومن ثمّ فالذي يُلفت إليه كلامُ الإمام عليه السلام في أولى خطبة نهج البلاغة هو تبديل التعبير بالجبال إلى التعبير بالصخور ، قال : « ووتّد بالصخور مَيَدان أرضه » ، تفسيرا لقوله تعالى :