الشيخ محمد هادي معرفة

152

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وبعد ، فهل هناك مايحول دون هذا التحوّل في الماء فينزل من السماء أجاجا لايستساغ شربه ولا يطيب طعمه ؟ أجاب العلماء : نعم ، إنّ في الجوّ من العوامل ما يمكنها الحؤول دون هذا التحوّل والانقلاب ، لولا رحمته تعالى بالعباد ، وقد جعل حواجز دون هذا الحؤول . جاء في كتاب « سنن اللّه الكونية » للعلّامة محمّد أحمد الغمراوي : « 1 » إنّ عذوبة الماء الذي يسقيهم اللّه إيّاه من السحاب هي بمحض رحمته تعالى . إنّ الماء طبعا عذب بطبيعته ، وماء المطر معروف أنّه أنقى المياه ، لكن طبيعة تكوّنه من السحاب تعرضه لأن ينقلب أجاجا لا ينتفع به الإنسان . وذلك لأنّ الهواء خليط من عناصر عدّة تختلف نسبة وجودها مع البعض ، وأهمّ تلك العناصر هو النتروجين ( الآزوت ) ، ونسبة وجوده في الهواء تعادل ( 21 / 78 ) بالمائة . ثمّ الأوكسجين ، ونسبة وجوده ( 96 / 20 ) . والارجون ( 79 % ) . وثاني اوكسيد الكاربون ( 4 % ) . وعناصر الهواء موجودة فيه بصورة اختلاط ميكانيكي ، وليست ممزوجة امتزاجا كيماويا . ومعنى ذلك أنّها لاتتفاعل مع بعضها ، وأنّ كلًاّ منها محتفظ بكيانه مستقلًاّ كأن لا وجود للعناصر الأخرى . وفي هذا من الحكمة البالغة والنعمة السابغة ما لا يكاد يخفى ، إذ لولا ذلك لاكتسب الهواء مميّزات وخواصّا كيماوية أخرى تختلف عن مميّزاته الحالية ، فلم تكن تصلح للحياة بشكلها المعروف ، وتنوّعاتها التي نشاهدها على سطح الكرة . خذ مثلًا أنّ غاز الآزوت لايتّحد مع غيره اتّحادا كيماويا إلّا بصعوبة وبشرائط ملائمة خاصّة ، فيتّحد في مثل هذه الظروف مع غاز الأوكسجين ، مكوّنا ما يسمّونه بحامض الآزوتيك أو النتريك ، وهو ما يعرف عند القدماء بماء الفضّة ، وهو أقوى

--> ( 1 ) - نقلًا عن كتاب بصائر جغرافية ، ص 220 .