الشيخ محمد هادي معرفة
150
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
التي تسبّب التبخير والتدافع بها لتتصاعد وتتكاثف وتتكوّن سحبا . * ثمّ عبّرت عن عملية التشبّع بقوله تعالى : « ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ » لأنّ درجة الإشباع الكافي إنّما تتوقّف على حصول التعادل وتساوي تبادل الجزَيئات بين الماء والهواء . وما هذا إلّا التآلف والتعاضد بين تلك الجُزَيئات . ومن ناحية أخرى ، لا يحصل التشبّع إلّا بالتعادل والتآلف بين ضغطي بخار الماء وبخار الهواء . أو الاتّحاد بين نوعي الكهربائية كما سبق بيانه . وعليه فإنّ أصدق تعبير عن هذه الظاهرة هو وصف التأليف ، الذي جاء وصفه في العلم بالتشبّع . * ثمّ جاءت بقوله تعالى : « ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً » . وهذا أبلغ تعبير عن عملية التكاثف الذي حقّقه العلم ، إذ لا تفسير للركام سوى التكاثف وتراكم بعض الشيء على البعض مع ضغطٍ . يُقال : تراكَم الشيء أي اجتمع بعضه مع بعض بكثرة وازدحام . والركام : المتراكم بعضه فوق بعض بضغط . وبعد ، فإذا ما تحقّقت الشرائط الثلاثة فعند ذلك : « فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ » الودق : المطر . * وقد فصل تعالى بين العمليات الثلاث ب - « ثُمَّ » لأنّ كلّ عملية إنّما تحصل بتعاقب مع فترة . أمّا النتيجة - وهو الإمطار - فجاءت بالفاء : تعاقبا بلاتأخير ، وهو الفور في حصول نتيجة عملية الإمطار . فياله من دقيق تعبير ، وسبحانه من عليم خبير ! الماء الأجاج « لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً » . هل في سنن الكون أن يتحوّل ماء المطر - الذي هو أنقى المياه وأعذبها - إلى ماء أجاج لايستساغ شربه ولا يطيب طعمه ؟