الشيخ محمد هادي معرفة
14
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
طرف من كوامن أسباب الحياة . لكن إجمالًا وفي غموضٍ تامّ يعرفها العلماء الراسخون ، إذ لم تصدر على سبيل القصد والبيان ، وهي في نفس الوقت تنمّ عن خضمّ بحرٍلاينفد ، وعن مخزون علمٍ لا يتناهى . « قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً » ، « 1 » « وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً » . « 2 » نعم ، إنّها شذرات بدت من طيّ كلامه تعالى ، ورشحات فاضت من عرض بيانه ، كانت عظيمة وفخيمة ، كلّما تقدّمت ركب الحضارة ، وتألّق نجم العلم والمعرفة على آفاق الوجود ، وإذا بالقرآن يسبق الإنسان بخطوات ، ولا يكاد يلحق أذياله في هذا المسير « وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ » . « 3 » * * * وهذا نظير مايُوَر عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام من كلمات جاءت في عرض كلامه ، وهي تنمّ عن خضمّ بحر متلاطم أمواجه ، بعيد أغواره ، أو كما قال هو عليه السلام : ينحدر عنّي السيل ولا يرقى إليّ الطير . فمن ذلك قوله في عجائب خلقة الإنسان : اعجبوا لهذا الإنسان ينظر بشحم ، ويتكلّم بلحم ، ويسمع بعظم ، ويتنفّس من خرم . « 4 » كان علم التشريح « 5 » القديم يرى من طبلة الاذن « 6 » العضو الأساسي لآلة السمع ، وذلك بِتَذَبذُبٍ يحصل فيه على أثر الموج الصوتي الوارد عليه ، وعلى أثره يحصل تموّج في الهواء الراكد المحفوظ في حفرة الصماخ خلف هذا الغشاء ، وهذا التموّج يؤثّر في العصب الدماغي المفروش على سطح الصماخ الباطني ، وبذلك ينتقل الصوت إلى مركزه في المخّ ويحصل السماع . « 7 »
--> ( 1 ) - الكهف 109 : 18 . ( 2 ) - الطلاق 12 : 65 . ( 3 ) - النحل 89 : 16 . ( 4 ) - نهج البلاغة ، قصار كلماته رقم 8 ، ص 470 . ( 5 ) - علم وظائف الأعضاء ، وقد شرحه ابنسينا في القانون في الطبّ ، ج 1 ، ص 24 فما بعد . ( 6 ) - هو الغشاء الفاصل بين التجويفين الداخلي والظاهري للُاذن . ( 7 ) - قال ابن سينا بصدد تشريح الاذن : الاذن عضو خُلِق للسمع وجعل له صدف معوجّ ليحبس جميع الصوت ويوجب طنينه ، وثقب يأخذ في العظم الحجري ملولب معوجّ ليكون تعويجه مطولًا لمسافة الهواء إلى داخل مع قصر تحته . وثقب الاذن يوّي إلى جوبة حفرة فيها هواء راكد وسطحها مفروش بليف العصب الدماغي . فإذا تأدّى الموج الصوتي إلى ما هناك أدركه السمع . والصماخ كالثقبة العنبيّة المشتملة على الهواء الراكد الذي يُسمع الصوت بتموّجه . القانون في الطبّ ، ج 2 ، ص 148 - 149 الفن الرابع في أحوال الاذن . وقال عند تشريح العصب الدماغي : تنبت من الدماغ أزواج من العصب سبعة . . . وأمّا الزوج الخامس فكلّ فرد منه ينشقّ بنصفين على هيأة المضاعف ، ومنبته من جانبي الدماغ ، والقسم الأول من كلّ زوج منه يعمد إلى الغشاء المستبطن للصماخ فيتفرّق فيه كلّه . وهذا القسم منبته بالحقيقة من الجزء المؤخّر من الدماغ وبه حسّ السمع . القانون ، ج 1 ، ص 54 - 55 .