الشيخ محمد هادي معرفة

102

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

هاتين الطبقتين وتتكوّن من ألياف طويلة ؟ هذا هو الرحم - بيت الجنين ومعقله - لم يغفل الخالق العظيم أن يحصن بابه كما حصن حيطانه ، حتّى يكون قرارا مكينا وبيتا كاملًا أمينا ، فكيف حصن بابه ؟ باب الرحم هو عنقه الذي يخرج منه دم الطمث في غير وقت ، فماذا يحدث لهذا العنق بعد أن يحدث الحمل ؟ يسدّ تجويفه بكتلة مخاطية صلبة تصير للعنق بابا ، كما تغلق السدادة عنق الزجاجة ، وتنشأ هذه السدادة من ازدياد أفراز الغدد العنقية ، وليست هذه السدادة طبقة واحدة ، بل هي ثلاث طبقات بعضها فوق بعض . أو بمعنى آخر : هذا الباب يتكوّن من ثلاثة أسوار خلف سور وقايةً من الجراثيم وضمانا من عدم تخطّيها . أمّا السور الأوّل فقد وجد بالفحص أنّه يحوي جراثيم . أمّا السور العنقي الأوسط فهو خطّ الدفاع الهامّ ، حيث يحتوي على كرات بيضاء تفتك بما يصل إليها من جراثيم . أمّا السور الثالث - وهو الأقرب إلى الجنين - فهو لذلك خالٍ من الجراثيم بعد خطوط الدفاع الأولى . وقد ثبت طبّيا أنّ جميع الجراثيم لا تستطيع اختراق خطّ الدفاع الأوسط ما عدا جرثومة السيلان ، والسيلان مرض معدٍ ينتقل بالزنا ، وكأنّ اللّه تعالى لم يشأ بذلك أن يحمي نسل الزاني . ويؤكّد ذلك عدم استقرار الأجنّة في أرحام المصابات بمرض الزهري - وهو أيضا من أمراض الزنا - وإن كان ينتقل بالتوريث التناسلي إلى الأبرياء والبريئات ، فكم من امرأة صارت بالزهري سقاطا . هذا وإنّ الجنين نفسه وهو في الرحم قد لفّ في ثلاثة أكسية ، كساء من فوق كساء ، وبينه وبين الأكسية ماء وقايةً للجنين يمنع عنه تأثير الصدمات ويحفظ فيه حرارة جسمه . قال تعالى : « يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ » . « 1 » هذا هو الرحم وقد تثبّت بالأربطة القوية ، وتحصّن بالعظام وتوثّق منه بنيانه

--> ( 1 ) - الزمر 6 : 39 .