الشيخ محمد هادي معرفة

89

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

البحث الخامس في بيان موقعها من علم البديع . اعلم أنّ البديع لقبٌ في هذه الصناعة تعرَف به وجوه تحسين الكلام بعد إحرازه لمعاني البلاغة وأنواع الفصاحة ووضوح دلالته ، وجودة مطابقته ، ثمّ إنّه على رشاقته ضربان : لفظيّ ، ومعنويّ . فالضرب الأول يتعلّق بالأمور اللفظية ، وهذا نحو التجنيس ، وهو أن تكون الألفاظ متشابهة في الأعجاز والأوزان وغير ذلك ، وقد يقع في المتواطىء كقوله تعالى : « وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ » « 1 » وقد يكون في المشترك كقولهم : ما مَلاء الراحة من استوطن الراحة ، ومنه التسجيع ، وهذا كقوله تعالى : « ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً » « 2 » وأكثرُ القرآن واردٌ على جهة التسجيع ، ومنه ردُّ العجزُ على الصدر كقوله تعالى : « وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ » « 3 » ومنه المُوازنة كقوله تعالى : « وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ » « 4 » ومنه القلب كقوله تعالى : « كُلٌّ فِي فَلَكٍ » « 5 » وقوله تعالى : « وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ » « 6 » إلى غير ذلك ممّا يتعلّق بأحوال الألفاظ كما ترى . والضرب الثاني ما يتعلّق بالأمور المعنوية ، وهو أكثرُ دَوْرا وأعظمُ إعجابا في البلاغة ، وهذا نحو الطباق ، وهو ذكر النقيضين كقوله تعالى : « يُحْيِي وَيُمِيتُ » « 7 » وقوله : « وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ » « 8 » وقوله تعالى : « وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ » « 9 » والطباقُ كثيرُ الاستعمال في كتاب اللّه تعالى ، ومنه اللفُّ والنشرُ كقوله تعالى : « وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ » « 10 » إلى غير ذلك من أنواع البديع وضروبه ، وقد أتينا على جميع أنواعه كلّها ، وأوردنا لها شواهدَ وأمثلة . فأغنى عن التكرير والإعادة في ذلك .

--> ( 1 ) - الروم 55 : 30 . ( 2 ) - نوح 13 : 71 - 14 . ( 3 ) - الأحزاب 37 : 33 . ( 4 ) - الغاشية 15 : 88 - 16 . ( 5 ) - يس 40 : 36 . ( 6 ) - المدّثّر 3 : 74 . ( 7 ) - مثل سورة البقرة 258 : 2 . ( 8 ) - الفرقان 62 : 25 . ( 9 ) - الأنعام 1 : 6 . ( 10 ) - القصص 73 : 28 .