الشيخ محمد هادي معرفة
81
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
تكون بها النجاة لمن ركبها . وأمّا ( ثالثا ) فلأنّها لِما كانت مَقرّا لمائها وماء السماء ، وحيث يكون اجتماعها كانت أحقَّ بالتقديم . وأمّا ( رابعا ) فلأنّ الغرض هلاكُهم في الأرض لأجل ما حصل من العصيان والمخالفة فيها . وأمّا ( خامسا ) فلأنّ البداية بالغرق كانت من جهة الأَرض ، ولهذا قال تعالى : « فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ » « 1 » فكان أوّل نبوع الماء من الأَرض ، فلأجل هذه الأمور كانت مقدّمة في الخطاب . ثمّ إنّه تعالى أقبل على خطاب السماء بمثل ما خاطب به الأَرض ، لِما كان الماء النازلُ منها هو السبب في الإهلاك بالغرق ، فلأجل ذلك عطف خطابها على خطاب الأَرض فقال : « ويا سماء أقعلي » وما ذكرناه في نداء الأَرض وخطابها من الاستعارة فهو حاصلٌ في خطاب السماء ، وإنّما اختار لاحتباس المطر اسم الإقلاع الذي هو ترك الفعل من جهة الفاعل ، فإنّه يقال في حال من استمرّ من جهته فعلٌ من الأفعال ثمّ تركه : أقلع عنه ، لأنّ إنزال المطر لمَّا كان صادرا منها على سبيل الاستمرار ثمّ رُفعَ كأنّها أقلعت عن فعله ، وإنّما ذكر متعلّق فعل الأَرض بقوله : « ابْلَعِي ماءَكِ » ولم يذكر متعلّق فعل السماء فلم يقل : ويا سماء أقلعي عن صبّ مائك ، من جهة أنّ الأَرض لمَّا كان لها اعتمالٌ في بلع الماء فلأجل هذا ذكر متعلّقُ فعلها ، بخلاف السماء فإنّه لاعَمَل لها هناك إلّا تَرك الصبّ والكفّ ، فلأجل ذلك لم يكن حاجةٌ إلى ذكر متعلّقها ، وإنّما وجّه أمر الأَرض بالفعل المتعدّي ووجّه أمر السماء بالفعل اللازم من جهة تصرّف الأَرض في الماء بصيرورته في بطنها بخلاف السماء ، فإنّ الغرض بقوله : « أَقْلِعِي » أي كوني ذات إقلاع ، وكفِّ عن الصبّ لاغير ، ولذا يقال : ابتلعتُ الخُبز ، وأقلعت السماء ، إذا صارت ذات إقلاع في سحابها . ثمّ قال بعد ذلك : « وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً » فأتى بهذه الجمل الخبرية عقب تلك الأوامر على جهة الإبهام لفاعلها ، إعلاما بأنّ مثل هذه الأُمور العظيمة والخطوب الهائلة لاتصدر إلّا من ذي قدرة ، لاتكتنههُ العقول ولاتنالُه الأفهام ، وتعريفا بأنّ الوهم لا يذهب إلى أنّ غيره قائل : يا أرض ابلعي ويا سماء أقلعي ،
--> ( 1 ) - المؤمنون 27 : 23 .