الشيخ محمد هادي معرفة

62

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

فيها بداعة ، الضدّ أوجب ضدّه . ولاسيّما في تعريف القصاص وتنكير الحياة ، وفيه غرابة فائقة . 4 - قال الزمخشري : ومن إصابة محزّ البلاغة ، بتعريف القصاص وتنكير الحياة ، لأنّ المعنى : ولكم في هذا الجنس من الحكم - الذي هو شريعة القصاص - حياة عظيمة . وذلك أنّهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة . وكم قتل مهلهل بأخيه كليب ، حتّى كاد يُفني بكر بن وائل . ولقد كانوا يقتلون بالمقتول غير قاتله . وهذه العادة جارية بين العرب حتّى الآن . « 1 » فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر . ففي شرع القصاص - وهو قتل القاتل المعتدي - حياة أيّة حياة . « 2 » 5 - وأمّا قولة العرب ، ففيها تناقض ظاهر ، إذا الشيء لا ينفي نفسه ، فكيف القتل ينفي القتل ؟ وأيضا فيها تكرار ، وتقدير ، وتهويل بسبب تكرار لفظ القتل المؤذن بالوحشة . أمّا الآية فاستبدلت من لفظ « القتل » الموحش بلفظ « القصاص » الموجب للتشفّي والانشراح . ثمّ عقّبها بلفظ « الحياة » التي تبتهل إليها النفوس وتحتفل بها . 6 - وأيضا ففي لفظ القصاص إيذان بالعدل ، حيث مساواة نفس المقتول بالقاتل ، الأمر الذي لايدلّ عليه لفظ القتل المطلق . 7 - والآية بنيت على الإثبات ، وقولتهم على النفي . والكلام المثبت أوفى من النافي مهما كان المعنى واحدا . 8 - ثمّ إشكال في ظاهر قولتهم ، ببناء أفعل التفضيل من فعل عدمي الذي لاتفاضل فيه ظاهرا ، والآية سالمة منه . 9 - وأيضا فإنّ التفاضل يقتضي المشاركة في القدر الجامع ، بخلاف الآية التي حصرت نفي القتل في القصاص لافي غيره على الإطلاق ، فكانت أبلغ في الوفاء بالمقصود . 10 - الآية مشتملة على حروف متلائمة متناسقة ، تتحلّق صُعُدا ، ثمّ تهوي نُزلًا ثمّ

--> ( 1 ) - ونحن في مطلع القرن الخامس عشر للهجرة . ( 2 ) - راجع : الكشاف ، ج 1 ، ص 222 - 223 .