الشيخ محمد هادي معرفة

59

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

الذي وضع عليه النظم الحكيم في القرآن الكريم . « 1 » آية القصاص كانت العرب تعرف ما لهذه اللفظة ( القصاص ) من مفهوم خاص : « قَتْلُ من عَدى على غيره فقتله بغير حقّ » . وكانت تعرف ما لهذه العقوبة ( مقابلة المعتدي بمثل ما اعتدى ) من أثر بالغ في ضمان الحياة العامّة . لكنّها عندما عمدت إلى وضع قانون يحدّ من جريمة القتل ، ويضمن للناس حياتهم ، وليكون رادعا لمن أراد الإجرام - فأزمعت بكلّيتها على وضع عبارة موجزة وافية بهذا المقصود الجلل وأجمعت آراؤهم على عقد الجملة التالية : « القتل أنفى للقتل » - غفلت عن لفظة « القصاص » واستعملت كلمة « القتل » مكانها ، ذهولًا عن أنّها لا تفي بتمام المقصود ، وهم بصدد الإيفاء والإيجاز . ذلك أنّ الذي يحدّ من الإجرام على النفوس ويحقن دماء الأبرياء هو فرض عقوبة القصاص ، وهو قتل خاص ، وليس مطلق القتل بالذي يؤثّر في منعه ، بل ربما أوجب قتلات إذا لم يكن قصاصا . ومع الإحاطة بهذه المزايا في لفظ « القصاص » جاء قوله تعالى : « وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ » « 2 » تعبيرا تامّا وافيا بالمقصود تمام الوفاء . بل وفيها زيادة مزايا شرحها أرباب الأدب والتفسير . قال سيّدنا الطباطبائي - طاب ثراه - : إنّ هذه الآية - على اختصارها وإيجازها ، وقلّة حروفها ، وسلاسة لفظها ، وصفاء تركيبها - لهي من أبلغ التعابير وأرقى الكلمات . فهي جامعة بين قوّة الاستدلال وجمال المعنى ولطفه ، ورقّة الدلالة وظهور المدلول . وقد كان للبلغاء قبلها كلمات وتعابير في وضع قانون القصاص ، كانت تعجبهم بلاغتها وجزالة أسلوبها ، كقولهم : « قتل البعض إحياء للجميع » . وقولهم : « أكثروا القتل ليقلّ

--> ( 1 ) - النبأ العظيم ، ص 129 - . 130 . ( 2 ) - البقرة 179 : 2 .