الشيخ محمد هادي معرفة

56

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ » . « 1 » والحكمة واضحة ، فالمرأة في الزنا هي البادئة وهي التي تدعوا الرجل بزينتها وتبرّجها ، أما في السرقة فهي أقلّ جرأة من الرجل . إنّنا إذا أمام كلمات مصفوفة بإحكام ودقّة وانضباط « كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ » . « 2 » ليس كمثله شيء ومن دقيق تعبيره : قوله تعالى : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » . « 3 » زعموا زيادة الكاف هنا ، فرارا من المحال العقلي ، إذ لو كانت باقية على أصلها للزم التسليم بثبوت المثل ! وحاول بعضهم توجيه عدم الزيادة ، بأنّه من الدلالة على المطلوب بلازم الكلام ، حيث نفي مثل المثل يستلزم نفي المثل . إذ لو كان له مثل لكان لمثله أيضا مثل ، وهو اللّه تعالى ، تحقيقا لقضية التماثل . فهو نفي للمثل بهذه الطريقة الملتوية ، نظير قولهم : أنت وابن أخت خالتك . يعدّ نوعا من التعمية في الكلام شبيها بالألغاز . . . الأمر الذي تأباه طبيعة الجدّ في تعابير القرآن . ولكن لتوجيه هذا الكلام تأويل مشهور : لو قيل : « ليس مثله شيء » كان المنفي هو المماثل له تماما وفي جميع أوصافه ونعوته وخصوصياته الكلّية والجزئية ، أي ليس على شاكلته التامّة شيء . وهذا يوهم أن عسى قد يوجد من يكون على بعض أوصافه ، وفي رتبة تالية من المماثلة التامّة ، لأنّ هذا المعنى لم يقع تحت النفي . وعليه فكان موضع الكاف هنا ، نفيا للمماثلة وما يشبه المماثلة أو يدنو منها بعض الشيء ، فليس هناك شيء يشبه أن يكون مماثلًا له تعالى ، فضلًا عن أن يكون مثلًا له على

--> ( 1 ) - النور 2 : 24 . ( 2 ) - هود 1 : 11 . ( 3 ) - الشورى 11 : 42 .