الشيخ محمد هادي معرفة
511
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الغناء لعدم الفائدة فيه . وبعبارة أخرى : ترجيع الغناء وقع مفعول مطلق مضاف والمفعول المطلق المضاف أو الموصوف أخصّ من مصدر فعله كقولك : سرت سير البريد وضربت ضربا شديدا ، فثبت أنّ مراده صلى الله عليه وآله من الغناء هو العرفيّ الأخصّ من اللغويّ ، لأنّه لو كان مراده منه هو اللغويّ لكان يقتصر على قوله : يرجّعون القرآن ولم يذكر ترجيع الغناء لاستلزامه كون الشيء أخصّ من نفسه كما عرفت . فإن قيل : الترجيع أعمّ من ترجيع الغناء لكونه مطربا ، قلنا : نعم ، ولكن ظاهر أنّ القارئ يبذل جهده في تناسب الألحان لا في اختلافها لئلّا يكون صوته كريها قبيحا ، فتعيّن أن يكون مراده صلى الله عليه وآله الترجيع المطرب . وأمّا ( ثالثا ) فلأنّ النوح والرهبانية عطفا على الغناء ، وتقديره : يرجّعون القرآن ترجيع الغناء وترجيع النوح وترجيع الرهبانية . فعلم أنّ ترجيع الغناء أخصّ مطلقا من مطلق الترجيع المطرب الشامل للجميع - أعني الغناء اللغويّ - لكون كلّ منها مطربا . فتعيّن أن يكون الغناء المنهيّ عنه هو الغناء العرفيّ الأخصّ من الغناء اللغويّ . لا يقال : يجوز أن يكون هذا من قبيل عطف الخاصّ على العامّ ، لأنّا نقول : الأصل في المتعاطفات أن تكون متباينات ، نعم يرتكب خلافه نادرا ، لكن لا مطلقا ، بل إذا كان فرط اهتمام بشأن الخاصّ كعطف جبرئيل وميكائيل على الملائكة ، وظاهر أنّ الاهتمام بشأن إخراج ترجيع النوح ليس بأشدّ منه بشأن إخراج ترجيع الأصوات الملهية المفرحة التي يزينها ضرب الدفوف والتصدية وأمثالهما ، فلو كان الأمر كذلك لكان يجب أن يعطف هذا عليه . فتعيّن أن يكون مستعملًا في معناه العرفي - أعني لحون أهل الفسق التي يزيّنها ضرب الدفوف والتصدية والرقص وآلات اللهو - وذلك ظاهر ويدلّ على ذلك ما روي في المجمع عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله أنّه يقول : إنّ القرآن نزل بالحزن فإذا قرأتموه فابكوا ، فإن لم تبكوا فتباكوا ، وتغنّوا به ، فمن لم يتغنّ بالقرآن فليس منّا . « 1 » أقول : وهذا صريح في الأمر بالتغنّي بالقرآن لا بالغناء العرفي لورود النهي عنه بل
--> ( 1 ) - مجمع البيان ، ج 1 ، ص 16 في ذكر الفنّ السابع .