الشيخ محمد هادي معرفة
509
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الرسول والأئمة عليهم السلام كانوا يقرأون القرآن بالصوت الحسن المترجّع ، فلننظر أنّ حدّ الغناء اللغوي هل يصدق على هذه القراءة أم لا ؟ فنقول - تأكيدا لما سبق وتنبيها لمن غفل - : هو كما مرّ مرارا عبارة عن الصوت المترجّع المطرب ، وقراءتهم عليهم السلام يصدق عليها أنّها صوت ، وهو ظاهر ، وكذا أنّها مترجّع لما عرفت ، ولا شكّ في كونها مطربا بأحد المعنيين : التذاذ بعضهم عند سماعها فيقف كالسقّائين ، وصعق بعض الآخر كالمارّة فيصدق على قراءتهم الغناء بالمعنى اللغوي - أعني الصوت المترجّع المطرب - وأمّا الغناء بمعنى العرف الطارئ بمعنى الألحان والنغمات الملهية المهيّجة للشهوات المزيّنة للسيّئات التي يزيّنها التصدية وضربة الدفوف وتتصدّاها القينات لجذب الفسّاق من الرجال إلى أنفسهن فلا يجوز التغنّي بها مطلقا ، فضلًا عن تغنّي القرآن بها ، ونهي رسول اللّه صلى الله عليه وآله والأئمّة المعصومين عليهم السلام مختصّ بهذا النحو من القراءة وهذا النوع من الغناء ، وهو الذي صار إطلاق الغناء عليه حقيقة عرفية . « 1 » ولينصف المنصف أنّ قراءة القرآن بالألحان الملهية المعروفة بالتصانيف في زماننا المقوية بضرب الدفوف والرقص المزينة بسائر آلات اللهو المهيّجة للشهوات وبالمقام المسمّى بالرهاوي المورث للحزن والبكاء هل هما سيّان ؟ حاشا وكلّا ، أين الثريا من الثرى وأين الأرض من السماء ، بل هذا عذب فرات سائغ شرابه ، وهذا ملح أجاج . يدلّ على ذلك ما روي في الكافي عن عبداللّه بنسنان عن أبيعبداللّه عليه السلام قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله : اقرأوا القرآن بألحان العرب وأصواتها ، وإيّاكم ولحون أهل الفسق وأهل الكبائر ، فإنّه سيجيء من بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية ، لا يجوز تراقيهم ، قلوبهم مقلوبة وقلوب من يعجبهم شأنهم . « 2 » أقول : هذا الحديث ممّا رواه العامّة أيضا عن حذيفة بناليمان عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله مع
--> ( 1 ) - إطلاق الغناء على مجموع العارض والمعروض هاهنا وفي المواضع الاخر مع أنّه نفس العارض فقط كما حقّق في المسألة اللغوية إنّما هو بضرب من التسامح وتبعا لمستعمليه فيهما مع أنّه غير مخلّ بالمقصود المؤلّف . ( 2 ) - المصدر : ص 614 ، حديث 3 ؛ ومجمع البيان ، ج 1 ، ص 16 في ذكر الفنّ السابع .