الشيخ محمد هادي معرفة
497
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
بتقويم صفات أهل العناد ، معكوفي الهمم على نشر الأعلام لنصرة الإسلام ، فكان ما بعث به النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لتعليمه وتلقينه ، وارسل للتوقيف عليه وتبيينه ، أهمّ عندهم ممّا كانوا مطبوعين على معرفته ، مجبولين على تبيّن حاله وصفته ، وكان إذ ذاك البيان غضّا طريّا ، واللسان سليما من اللكنة بريّا ، وطرق الفصاحة مسلوكة سائرة ، ومنازلها مأهولة عامرة ، وقد مهّد عذرهم تعويلهم على ما شاع وتواتر ، واستفاض وتظاهر ، من عجز العرب وثبات العلم به ورسوخه في الصدور ، وبقائه في القلوب على ممرّ العصور . وبعد انقراض أولئك العرب ، المالئة دلو البلاغة إلى عقد الكرب ، « 1 » وبقاء رباعها « 2 » بغير طلل « 3 » ورسم ، « 4 » وذهابها ذهاب جديس وطسم ، « 5 » لم يبق من هذا العلم إلّا نحو الغراب الأعصم ، « 6 » والنكتة « 7 » البيضاء في نقبة الأدهم ، « 8 » وجملة تلك البقية قد اتّبعوا سنن الأوّلين ، وكانوا على عجز العرب معوّلين ، ولم يقولوا كم بين إيمان السحّار وبين إيمان النظار ، ثمّ ادرج هذا العلم تحت طيّ النسيان ، كما يدرج الميّت في الأكفان . ولولا أنّ اللّه أوزعني أن أنفض عليه لمّتي ، « 9 » وألهمني أن أنهض إليه بهمّتي ، حتّى أنفقت على النظر فيه شبابي ، ووهبت له أمري ، وكانت إجالة الفكر في غوامضه دهري ، لم تسمع
--> ( 1 ) - مثل سائر مأخوذ من قول الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب حيث يقول : من يساجلني يساجل ماجدا * يملأ الدلو إلى عقد الكرب وهو الحبل الذي يشدّ في وسط العراقي ثمّ يثني ، ثمّ يثلث ، ليكون هو الذي يلي الماء فلا يعفن الحبل الكبير ، يضرب لمن يبالغ فيما يلي من الأمر . انظر : مجمع الأمثال ، ج 2 ، ص 421 ، رقم 4715 . ( 2 ) - الربع : المنزل ودار الإقامة ، وربع القوم محلّتهم ، والرّباع جمعه . ( 3 ) - الطلل : ما شخص من آثار الدار ، والجمع : أطلال وطلول . ( 4 ) - الرسم : الأثر . ( 5 ) - جديس : قبيلة من العرب العاربة البائدة ، كانت مساكنهم اليمامة والبحرين ، وكان يجاورهم طسم ، وهي قبيلة من العرب العاربة أيضا ، تنتسب إلى طسم بن لاوذين إرم بن سام بن نوح ، وقد انقرضت . انظر : معجم قبائل العرب ، ج 1 ، ص 172 وج 2 ، ص 680 ، ومصادره . ( 6 ) - الغراب الأعصم : الذي في جناحه ريشة بيضاء لأنّ جناح الطائر بمنزلة اليد له . ( 7 ) - النكتة - بالضم - : النقطة . ( 8 ) - الدّهمة : السواد . يقال : فرس أدهم ، وبعير أدهم ، وناقة دهماء ، إذا اشتدّت ورقته حتى ذهب البياض الذي فيه . ( 9 ) - اللمّة : الهمّة ، والخطرة تقع في القلب .