الشيخ محمد هادي معرفة
495
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ويتّجه أن يجعلها جملة للاعتراض ، مرسلة إرسال الحكمة لخاتمة الأغراض ، كقوله تعالى : « إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ » . « 1 » وعنى بالشانئ السهميَّ المرميَّ بسهمه ، وإنّما ذكره بصفته لاباسمه ، ليتناول كلّ من كان في مثل حاله ، من كيده بدين الحقّ ومحاله ، وفيه أنّه لم يتوجّه بقلبه إلى الصدق ، ولم يقصد به الإفصاح عن الحقّ ، ولم ينطق إلّا عن الشنآن الذي هو توأم البغي والحسد ، وعن البغضاء التي هي نتيجة الغيظ والحرد ، « 2 » وكذلك وسمه بما ينبئ عن المقت الأشدّ ، ويدلّ على حنق الخصم الألدّ ، وعرّف الخبر ليتمّ له البتر ، كأنّه الجمهور « 3 » الذي يقال له الصنبور ، وأقحم الفصل لبيان أنّه المعيّن لهذه النقيصة ، وأنّه المشخّص لهذه الغميصة ، « 4 » وذلك كلّه مع علوّ مطلعها ، وتمام مقطعها ، « 5 » ومجاوبة عَجزها لهاديتها ، « 6 » وسبيبها « 7 » لناصيتها ، واتّصافها بما هو طراز الأمر كلّه من مجيئها ، مع كونها مشحونة بالنكت الجلائل ، مكتنزة بالمحاسن غير القلائل ، خالية من تصنّع من يتناول التنكيت ، وتعمّل من يتعاطى بمحاجّة التبكيت ، « 8 » كأنّها كلام من يرمي به على عَواهنه ، ولا يتعمّد إلى إبلاغ نكته ومحاسنه ، ولا يلقاك ذلك إلّا في كلام ربّ العالمين ، ومدبّر الكلام والمتكلّمين ، فسبحان مَن لو أنزل هذه الواحدة وحدها ، ولم ينزل ما قبلها وما بعدها ، لكفى بها آية تغمر الأذهان ، ومعجزة توجب الإذعان ، فكيف بما أنزل من السبع الطوال ، وما وراءها إلى المُفصَّل ، « 9 » والمُفصَل ، يا لها من معجزة كم معجزات في طيّها ، عند كلّ ثلاث آيات تقرّ الألسن بعيّها ، لو أراد الثقلان تسلية المغيظ المحنق ؛ لأخذت من أفاصحهم بالمخنق ، إن همّوا بإنشاء سورة توازيها ، وثلاث
--> ( 1 ) - القصص 26 : 28 . ( 2 ) - الحرد : الغضب . ( 3 ) - كذا . ( 4 ) - يقال : اغتمصت فلانا اغتماصا : احتقرته . ( 5 ) - مقاطع القرآن : مواضع الوقوف . ( 6 ) - في الحديث : « طلعت هوادي الخيل » يعني أوائلها ، والهادي والهادية : العنق ؛ لأنّها تتقدّم على البدن ، ولأنّها تهدي الجسد . ( 7 ) - السَّبيبُ : شَعر الذنب . ( 8 ) - بكته بالحُجة أي غلبه . ( 9 ) - المُفصَّل من القرآن السبع الأخير ، وذلك للفصل بين القصص بالسور القصار ، والفواصل أواخر الآي . المفردات للراغب ، 381 .